برحيل الكاتب والمترجم د. قاسم المقداد يفقد الوسط الثقافي والأكاديمي السوري واحداً من أبرز الأساتذة الجامعيين السوريين، الذين عملوا على نقل المنهجيات الجديدة في التحليل الأدبي إلى اللغة العربية، وإلى الأوساط العلمية سواء في كلية الآداب بجامعة دمشق، أو في المعهد العالي للفنون المسرحية. بالإضافة إلى تكريس جهدٍ غير قليل في الترجمة من الفرنسية إلى العربية. ولد المقداد في عام 1951 في قرية غصم بمحافظة درعا. وبدأ مساره الأكاديمي في اللغة الفرنسية، ثم نال إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة دمشق عام 1977. وتابع دراساته في فرنسا، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة الفرنسية من جامعة بواتييه، ونال من السوربون دكتوراه الحلقة الثالثة في اللسانيات والصوتيات عام 1983، ثم الدكتوراه المحدثة في علوم اللغة واللسانيات عام 1986. انطلق المقداد في دراساته من اكتشاف المناهج التحليلية الجديدة، وفي مقدمتها السيميائيات السردية، التي أتاحت له الاقتراب من النص من زاوية مختلفة، والبحث في آليات تشكل المعنى داخله. وفي هذا السياق جاءت رسالة الدكتوراة التي صدرت لاحقاً ككتاب حمل عنوان "هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش"، لتغدو محطة أساسية في تجربته. وفيها حاول الاستفادة من أدوات النقد الحديثة عبر توظيفها في قراءة نص يتضمن أقدم طبقات السرد في المنطقة، كاشفاً الطريقة التي تنتظم بها عناصره وتتولد منها الدلالة. شغل بعد عودته من الدراسة في فرنسا موقع أستاذ مساعد في كلية الآداب، ثم عمل أستاذاً في مجال اللسانيات، وتولى إدارة مركز تعليم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق المخصص للدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه. اشتغل المقداد على الفكر والنقد الفرنسيين، ونقل إلى العربية أعمالاً في اللسانيات والنقد والسينما وتحليل الخطاب. وكانت ترجمته كتاب "أسطوريات" لرولان بارت واحدة من أكثر تجاربه دلالة، إذ اختار مؤلَفاً يفكك الأساطير التي تصنعها الحياة اليومية الحديثة، ويقرأ الإعلان والصورة والصحافة والسينما بوصفها أنظمة لإنتاج المعنى. وقد ظلت هذه الفكرة، على ما يبدو، حاضرة في مساره اللاحق، أي البحث في ما وراء المعنى الظاهر للنصوص والصور والخطابات. وفي لحظة الثورة السورية، خرج هذا الاشتغال من المجال الثقافي المحدد إلى الموقف العام. فقد انسحب المقداد عام 2012 من المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، مع الراحلين الشاعر إبراهيم الجرادي والروائي غازي حسين العلي، احتجاجاً على مواقف الاتحاد وبياناته إزاء الأحداث السورية. وكشفت هذه الخطوة عن توجه مثقفين رأوا أن موقع الكاتب لا ينفصل عن موقفه مما يجري حوله، وأن المؤسسة الثقافية لا تستطيع أن تبقى محايدة أمام حدث بهذا الحجم. وفي لحظة من لحظات اشتداد الضغط الأمني على الحراك، وعلى آراء السوريين المغايرة لتوجهات النظام في الحل الأمني، أعلن المقداد عن توقفه عن الكتابة في الشأن اليومي، وكتب قائلاً: " سأتوقف عن الكتابة في الموضوع الداخلي السوري اعتباراً من الأسبوع القادم لأسباب كثيرة. لم أتوقف عن الكتابة في هذا الشأن منذ عشرين عاماً. بدأت بزاوية " حديث الصباح" في جريدة البعث منذ عام 1990، وتوقفت في عام 1996 تقريباً، ثم انتقلت إلى "جريدة الثورة"، وتناوبت على الكتابة فيها مع أحد الأصدقاء الذي كان لتحليله آنذاك عمقاً ونكهة لا يخفيان على أحد. في تلك الفترة بدأت بوادر الفساد تتسلل إلى الحياة العامة، واختراق القانون، والمحسوبية، والاستزلام، وفشل المنظمات التي تسمى شعبية، في تمثيل جماهيرها لأن قياداتها أصبحت تفرض من علٍ فصار ولاؤها لمن عينها وليس لمن ينبغي أن تكون ممثلة لهم، وكتبت عن دور حزب البعث الذي راح يتضاءل، فاستقال من مهامه التاريخية، وبدأ ينسى أنه جاء على أكتاف الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين ومثقفين وصغار كسبة، فانسلخ عنها وراحت قياداته تشكل نوعاً من المجموعات التي لا تحسن سوى الهتاف وركوب السيارات الفارهة واقتناء البيوت الفخمة في أرقى شوارع العاصمة، واستراحات لم تبق للمواطن العادي من الشاطئ السورية سوى مساحات قليلة. وكنت دائماً أكتب، كما يقال اليوم" تحت سقف الوطن" إلى أن اكتشفت أن هذا السقف يتحرك بكبسة زر فتراه يرتفع حتى لا تراه أحياناً، ويهبط حتى يصطدم برأسك حينما كان يراد له أن يكون كذلك. ونبهت إلى أن عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب يحول الوطن إلى مجموعة من المزارع الشخصية، تحولت تدريجياً إلى إقطاعات تكاد تصبح كل منها دولة ضمن الدولة. وتحدثت عن ضرورة احترام الرأي الآخر وتقديره والأخذ به وعدم الاستئثار بأي نوع من أنواع السلطة بدءاً بالعائلة وانتهاء بأعلى مراتب الحكومة. وطالبت رفاقي البعثيين بأن يكونوا ديمقراطيين مع أنفسهم طالما أنهم ليسوا كذلك مع الآخرين. تعرضت للمساءلة، وتساءل كثيرون عما إذا كنت أكتب يومها بد