تشهد ألمانيا منذ 2022 ارتفاعاً متواصلاً في إفلاس الشركات، تسارع بحدّة منذ 2023 حتى بلغ مستويات لم تُسجَّل منذ أكثر من عقد. فالبلد الذي قاد نمو منطقة اليورو لعقود، وهو اليوم ثالث أكبر اقتصاد في العالم، يواجه عاصفة مركّبة: ركود ممتد، وكلفة طاقة مرتفعة، وصدمة نفطية جديدة أشعلتها حرب إيران، وعودة المركزي الأوروبي إلى رفع الفائدة. وتتجاوز التداعيات حدود ألمانيا إلى اليورو والاتحاد الأوروبي، وإلى شبكات التجارة مع العالم العربي. ارتفع عدد الإفلاسات المؤسسية من 17,814 حالة في 2023 إلى 21,812 في 2024. ثم سجّلت المحاكم الألمانية في 2025، وفق مكتب الإحصاء الاتحادي (Statistisches Bundesamt)، 24,064 طلباً، بزيادة 10.3%، وهو الأعلى رقم منذ 2014. ويبقى دون ذروة أزمة 2009. ثم عمّق النصف الأول من 2026 الاتجاه، فسُجّلت 12,812 حالة بزيادة 6.7% على الفترة نفسها من 2025، وهو أعلى مستوى لنصف سنة منذ 2013، مع قفزة 15.8% في يونيو وحده. وتقدّر Creditreform، بمنهجية مختلفة، العدد بـنحو 12,900 حالة (+7.8%). أي ما يقارب طلب إفلاس كل عشرين دقيقة. ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر: الطلب لا يدخل الإحصاء إلا بعد أول قرار للمحكمة، فيظهر متأخراً نحو ثلاثة أشهر عن موعده الفعلي. والإفلاس شكل نادر نسبياً من أشكال الإغلاق، إذ أُغلقت في 2025 نحو 277,000 منشأة تجارية، وثلثا الشركات المفلسة لم يكن لديها موظفون. كما تراجعت مطالبات الدائنين في النصف الأول من 2026 إلى 18.5 مليار يورو من 28.2 مليار، أي أن حصة الحالات الضخمة انخفضت وفق معيار Destatis. لكن Creditreform تسجّل قفزة 28.6% في إفلاس الشركات ذات الـ250 موظفاً فأكثر، فالصورة ليست أحادية. وفي سوق العمل، قدّرت Creditreform أن نحو 285,000 موظف تأثروا بإفلاس أصحاب عملهم في 2025، وهذا أقل قليلاً من 291,000 في 2024. لكن الوتيرة عادت للصعود في 2026، إذ بلغت الوظائف المهددة نحو 165,000 في النصف الأول مقابل 143,000 قبل عام. وأسهمت في ذلك حالات كبيرة مثل سلسلة فنادق Revo Hospitality (نحو 5,000 موظف) وشركة Feneberg للمواد الغذائية (نحو 2,900). وسجّلت المحاكم الألمانية 12,812 طلب إفلاس لشركات في النصف الأول من 2026، وهو أعلى رقم لهذه الفترة منذ 2013. وفي حزيران/يونيو وحده بلغت الطلبات 2,266، بزيادة 15.8% على العام السابق. ويرصد معهد هاله للأبحاث الاقتصادية (IWH) أن الربع الثاني من 2026 هو الأعلى فصلياً منذ 2005. لكن هناك تفصيلاً مهماً لأي قراءة دقيقة: انخفضت مطالبات الدائنين إلى نحو 18.5 مليار يورو مقابل 28.2 مليار قبل عام، لأن النصف الأول من 2025 شهد إفلاس شركات أكبر وزناً اقتصادياً. فالموجة الحالية تتميّز بكثرة الحالات الأصغر. أما الشركات الكبيرة، وهي التي تتجاوز مبيعاتها 50 مليون يورو، فقد سجّلت 33 حالة في النصف الأول من 2026، بزيادة 10%، بعد رقم قياسي بلغ 94 حالة في 2025. وتصدّرت السيارات بسبع حالات، تلتها تجارة التجزئة بخمس، ثم الهندسة الميكانيكية والخدمات بأربع لكل منهما. ومجموع مبيعات هذه الشركات نحو 4.5 مليار يورو. وهذا رقم صغير قياساً بحجم الاقتصاد الألماني. مجسم عملة اليورو في فرانكفورت. (فرانس برس) ومن حيث التكرار النسبي، كانت أعلى معدلات الإفلاس لكل 10,000 شركة في النقل والتخزين (71.6)، ثم الضيافة (59.6)، ثم البناء (53.4). وبدأت المصارف تشدّد شروط الإقراض، ما يضغط أكثر على شركات تعاني أصلاً من نقص الطلبات. تشير بيانات اتحاد صناعة السيارات (VDA) إلى أن تسجيلات السيارات الجديدة في 2025 بقيت أقل بنحو 21% من مستوى 2019، وأن 41% من الشركات المتوسطة قيّمت وضعها بالسيئ أو السيئ جداً في استطلاع يونيو 2026. وتبدأ إفلاسات الموردين عادةً حين تسحب الشركة المصنّعة برنامجاً يغطي التكاليف الثابتة للمصنع. ومثال ذلك شركة Weber Magdeburg التي أبلغت موظفيها بأن بورشه ستسحب كل طلبات الإنتاج منها بحلول 30 أيلول/سبتمبر. ومن حالات 2026 شركة Erich Jaeger للموصّلات (نحو 1,000 موظف عالمياً) وشركة Bayrak (أكثر من 400 موظف) وشركة MoldTecs (نحو 580 موظفاً). وتنتقل العدوى نزولاً في سلسلة التوريد، إذ تصل الموجة إلى الموردين من الدرجتين الثالثة والرابعة، وقد يوقف فشل مورّد فرعي واحد خط إنتاج لأسابيع. بعض الأسباب قديم: كلفة الطاقة بعد حرب أوكرانيا، وضعف الطلب الخارجي (خاصة الصيني)، وتحولات صناعية مكلفة نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي. وقد عاش الاقتصاد ثلاث سنوات من الأزمة لم يحقق فيها سوى فصلين من النمو. وفي 2026 أضيف عاملان جديدان: الأول هو صدمة الطاقة، فمنذ اندلاع الحرب على إيران قفزت أسعار الوقود، وارتفع التضخم في ألمانيا إلى نحو 2.9%. وخفّضت الحكومة في نيسان/أبريل توقعها لنمو العام من 1 إلى 0.5%. وقدّر معهد ifo خسارة القوة الشرائية بنحو 34