"موضوع عائلي" مسلسل مصري (٢٠٢١) يتجاوز حكاية إبراهيم في إطاره الدرامي الفردي ليُلامس واقعنا الحقيقي، فهو تجسيد بليغ لأبوّة مؤجّلة، سنوات ضائعة وعلاقة وُلدت لتُعوّض ما فات وانقضى منذ زمن بعيد. بأدائه الاستثنائي وعمقه المعهود، يُجسّد الفنان ماجد الكدواني شخصيّة "إبراهيم" الرجل الذي يجد نفسه فجأة وجهاً لوجه أمام ابنة لم يكن يعرفها وكأنَّ القدر مدّ له يده ليمنحه فرصة أخيرة لكتابة فصول حياته العائلية من جديد. مع تدفّق الأحداث، تتحوّل هذه العلاقة إلى محور جوهريّ في حياته إلى جانب حضور لافت لشخصيات أخرى بمزيج فريد يجمع بين الكوميديا السوداء والدراما المؤثّرة. رحلة مع المرض وفقدان الذاكرة (وكالات) مع بداية الموسم الثاني (٢٠٢٢) وبعد عامين من الاستقرار النسبي تنعطف حياة إبراهيم نحو مسار جديد ومختلف كليّاً، فبينما تنشغل ابنته “سارة” بالتحضير لزفافها من “حسن”، يبدأ بملاحظة عوارض مقلقة ونوبات متكرّرة من النسيان. وعندما يقصد صديقه الطبيب “عماد” لإجراء الفحوص اللازمة، يصطدم بحقيقة صادمة: إصابته بورم في الدماغ يتسبّب مباشرةً باضطراب بالذاكرة، ما يتطلّب تدخّلاً جراحياً دقيقاً وعاجلاً. تجدر الإشارة إلى أنَّ العمل لا يُصوّر الوالد كمصاب بألزهايمر إطلاقاً، فالتشخيص ارتكز على ورم دماغي أدّى إلى خلل الذاكرة العضوية. يحمل هذا التفصيل أهميّة علميّة بالغة، إذ تتعدّد أسباب اضطرابات الذاكرة وعواملها ولا تفضي بالضرورة إلى الإصابة بالخرف أو ألزهايمر. بدلاً من المسارعة إلى مصارحة عائلته بالنبأ المفجع، فضّل إبراهيم أن يأتمن صديقه "خالد" وحده على هذا السرّ الخطير خوفاً من أن يُعكّر صفو حياة ابنته "سارة" وهي تقف على مستهلّ مستقبلها. في غمرة هذا الهاجس، يزداد تعلّقه بضرورة اقتناص كلّ لحظة قادمة معها والاطمئنان عليها قبل أن يخضع للعمليّة المرتقبة. يطرح العمل جانباً إنسانيّاً وفلسفياً معمّقاً يتجاوز حدود المرض العضوي نفسه: لا يرتبط الخوف حصراً بالموت والفناء بل باحتمال فقدان دوره الأساسي كأب وعدم قدرته على مواكبة تفاصيل حياة ابنته في ما بعد. في خضم هذه المعاناة، تدخل الدكتورة مريم وهي النجمة “نور” بمسار علاجه ومتابعته طبّياً، بينما تُصبح العائلة شيئاً فشيئاً جزءاً لا يتجزّأ من مواجهة الأزمة الكبرى. تتطوّر علاقته ومريم لتصبح سنداً أساسياً لهم. أمّا شخصية راوية التي تُؤدّيها ببراعة الراحلة لبنى محمود، فتُقدّم خطّاً درامياً آخر متعلقاً بالتقدّم في العمر وما يُصاحبه ذلك من مشاكل بالذاكرة والخرف. في الموسم الثالث (٢٠٢٤) وبعد نجاح عمليّته وشفائه التام وزواجه من الطبيبة مريم، يشهد تحوّلاً هاماً باكتسابه لقب "جدّ لأوّل مرّة" وأباً على التوالي، تزامناً مع مجابهته تداعيات قضائية سابقة مثل قضية حريق الفندق. بعد توتر وغضب عائلي من إخفائه للأسرار وتسليم نفسه للشرطة بشجاعة، تنتهي الأحداث بحصوله على البراءة التامة وإجماع شمل العائلة مجدّداً في أجواء سعيدة. لكن المصادر والمتابعات التي شملت هذه الشخصيّة لم تُثبت أبداً أنَّها كانت مصابة تحديداً بمرض ألزهايمر، لذلك فإنَّ من الأدقّ علمياً وفنّياً عدم إسقاط التشخيص نفسه على الحالتين تجنّباً للخلط. بين الإشادة النقدية والانتقاد الموضوعي ورغم الزخم والاهتمام الجماهيري الكبير الذي حظي به وضع إبراهيم المرضي، لم يكن استقبال الموسم الثاني من العمل متطابقاً مع الآراء النقدية. رأت بعض المراجعات أنَّ قصّة الورم وفقدان الذاكرة لم يُستثمر درامياً بما يكفي، فتكرار تردّد البطل في إخبار أسرته جعل الأحداث بطيئة في أولى الحلقات. علّقت الناقدة ماجدة خير الله على خروج العمل من سياقه الإنساني إلى أحداث جانبية خلال رحلة بلغاريا، قبل العودة إلى حكاية المرض في الحلقات الأخيرة. ورأت أنّ تذبذب الموسم بين الكوميديا الاجتماعية والميلودراما أثّر سلباً في تماسكه الدرامي. حظي أداء "ماجد الكدواني" بإشادة واسعة لا سيّما خلال مشاهده المؤثّرة أثناء قيامه بالعملية الجراحية، فيما نالت "نور" استحساناً بأدائها المتميّز. هكذا، يتجاوز المرض في "موضوع عائلي" إطاره كأزمة صحّية بحتة ليغدو محكاً حقيقياً للعلاقة بين المريض وعائلته، إذ يتقاطع فيه حقّ الأسرة بمعرفة الحقيقة مع الحاجة الماسّة إلى الدعم والخوف الدفين من التحوّل إلى مصدر ضغط. يقوم الانتقال بين أجزاء "موضوع عائلي" على تطوّر طبيعي للشخصيات والأزمات الواقعيّة دون افتعال، فالتجربة الإنسانية اليومية تكفي لتحريك الأحداث وحين تُبالغ الدراما في الصراعات المصطنعة تفقد صدقيّتها ويتسلّل الملل إلى المشاهد. يرتكز جزء أساسي من الموسم الثاني لمسلسل “موضوع عائلي” على التغيّرات التي تطرأ على ذاكرة إبراهيم وما تُسبّبه من قلق، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول دقّة المعالجة الطبّية والنفسية فيه. من الناحية الطبّية: