أعادت زيارة الوفد الفلسطيني إلى بلدية الدامور فتح واحد من أكثر جروح الحرب اللبنانية حساسية، بعدما تحولت الزيارة، التي حملت عناوين تتصل بالمصالحة وطيّ صفحة الماضي، إلى موضع اعتراض داخل البلدة على طريقة حصولها، وعلى اللغة المستخدمة في مقاربة أحداث عام 1976. وفي هذا السياق، أصدر “تجمع أهالي الدامور لبناء الذاكرة الجماعية” بياناً شديد اللهجة، رفض فيه اختزال ما يسمّيه “مجزرة الدامور” بعبارات من نوع “الأحداث الأليمة” أو “تجاوزات بعض الفصائل”، معتبراً أن أي مصالحة جدية يجب أن تبدأ من تثبيت الوقائع وتحديد المسؤوليات، لا من تخفيف توصيفها أو القفز فوقها. وطالب التجمع الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن مجزرة الدامور وعن عمليات حرق منازل البلدة بالاعتراف بما حصل وتقديم اعتذار خطي وعلني، داعياً إلى تشكيل لجنة تضم فعاليات دامورية وممثلين عن المجتمع المدني وأصحاب الاختصاص، تتولى توثيق تاريخ البلدة وكتابة رواية تستند إلى الوقائع والوثائق. لكن البيان لم يوجّه انتقاده إلى الجانب الفلسطيني فقط، بل فتح أيضاً مواجهة داخلية في الدامور، إذ اعتبر أن الزيارة جرت من دون تحضير مسبق أو تشاور كافٍ مع فعاليات البلدة وأعضاء المجلس البلدي. وحمّل التجمع رئيس البلدية جان الغفري والمختار طوني غريب مسؤولية ما وصفه بـ“الصفعة” التي تلقتها الدامور، منتقداً التعتيم الذي سبق الزيارة والتفرد بالقرار، كما سجل اعتراضه على الدور الذي أداه غريب في استقبال الوفد الفلسطيني، معتبراً أنه صادر قرار مخاتير الدامور الستة. وشدد البيان على أن القضايا المرتبطة بتاريخ الدامور وذاكرتها لا يمكن اختزالها بقرار فردي، وأن المصالحة، بالنسبة إليه، لا تبدأ من طي الصفحة، بل من كتابة ما حصل أولاً، وتحديد المسؤوليات، ثم الانتقال إلى الاعتذار والحوار. وهكذا، تحولت زيارة أُريد لها أن تفتح باباً نحو المصالحة إلى نقاش أعمق داخل الدامور: هل يمكن بناء ذاكرة مشتركة قبل الاتفاق على حقيقة ما جرى، وهل يمكن فعلاً طي صفحة المجزرة قبل الاعتذار عنها؟