طغى التصعيد في السعودية على المشهد الإقليمي، بعدما وصلت هجمات الحوثيين إلى محيط العاصمة الرياض، مع استهداف محيط مطار الملك خالد ومنشآت مرتبطة بأرامكو، في تطورٍ رفع منسوب المخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة واتساعًا، ولا سيما بعد محاولة استهداف مكة المكرمة والتصعيد المتواصل بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين. خطورة المشهد دفعت السفارة الأميركية في بيروت إلى إصدار تنبيه أمني، حذّرت فيه من أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط لا تزال معقّدة، مع احتمال حدوث تصعيد غير متوقّع، داعيةً الأميركيين الموجودين في المنطقة إلى توخّي مزيد من اليقظة والحذر، والاستعداد لاحتمال إلغاء رحلات جوية أو إغلاق مجالات جوية وحدوث اضطرابات في حركة السفر. ولفت التنبيه بصورة خاصة إلى انخراط الحوثيين المدعومين من إيران في أعمال عدائية ضد المملكة العربية السعودية، بما في ذلك استهداف مطارات مدنية، محذرًا من أن هذا الصراع العسكري يحمل إمكانية التصعيد بسرعة. ومن خارج الحدود اللبنانية، قرأ الرئيس وليد جنبلاط المشهد الإقليمي من زاوية مختلفة. ففي لحظة تتسع فيها ساحات الاشتباك وتتداخل خطوط النار، يطرح جنبلاط مقاربة تتجاوز حدود الجبهة اللبنانية، واضعًا تطبيق اتفاق إسلام آباد والتوصل إلى هدنة مع الحوثيين في صلب السبل الممكنة لمنع اتساع الحرب. وفي تغريدة عبر منصة "إكس"، قال جنبلاط: "من بين السبل الممكنة للخروج من هذا الوضع ومنع اتساع رقعة الحرب، العمل على تطبيق اتفاق إسلام آباد، بالتوازي مع ضرورة التوصل إلى هدنة مع الحوثيين". من الجنوب اللبناني إلى البحر الأحمر، تتعدد الساحات لكن الخشية واحدة: أن يتحول التصعيد المتنقل إلى مواجهة إقليمية أوسع يصعب ضبطها. وفي هذا السياق، تأتي دعوة جنبلاط إلى تسويات متوازية، في محاولة لفتح أكثر من ثغرة في جدار التصعيد، بدل انتظار معالجة كل ساحة على حدة. لكن بالنسبة إلى لبنان، لا تبدو المسألة إقليمية فقط. فالجنوب يعيش تداعيات مباشرة، والدولة اللبنانية مطالبة بالتعامل مع واقع أمني وسياسي شديد الحساسية، فيما لم تنتج الاتصالات حتى الآن صيغة نهائية تنهي حالة الاستنزاف القائمة، ما يستدعي خطة رسمية واضحة من قبل المعنيين لمعالجة أوضاع أهل الجنوب والنازحين منهم خصوصًا، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وهو ما كان قد دعا إليه جنبلاط سابقًا. سلام إلى نيويورك... والملف اللبناني على الطاولة الدولية على هذا الإيقاع، ينتقل رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك، حاملًا مجموعة ملفات تتجاوز حدود الشكوى من الاعتداءات الإسرائيلية. فالمطلوب لبنانيًا هو وضع قضية الجنوب ضمن إطار دولي متكامل: وقف الاعتداءات، معالجة تداعيات الحرب، استكمال البحث في المفاوضات، ومواجهة الاستحقاق الأكثر إلحاحًا المرتبط بمستقبل "اليونيفيل"، فيما يحاول لبنان تثبيت موقع الدولة في مرحلة يعاد فيها رسم الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب. والتطور الأبرز كشفته "القناة 13" المعادية، إذ زعمت أن جيش العدو يقيم جسورًا فوق نهر الليطاني ويشق طرقًا عسكرية، ضمن استعداداته للبقاء طويلًا في لبنان. وما لم يفصح عنه الإعلام العبري، جاء على لسان السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي كشف أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح الجيش اللبناني قويًا بما يكفي لتولي المهمة الأمنية. وبين باريس ونيويورك، يتحرك لبنان على خط دبلوماسي كثيف، إذ إن الاجتماع التحضيري في العاصمة الفرنسية فتح نافذة سياسية، فيما تحمل الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة لرفع مستوى النقاش حول مستقبل لبنان. لكن بحسب مصادر مطلعة، فإن الفارق بين البيانات السياسية والوقائع على الأرض يبقى كبيرًا. فالجنوب لا ينتظر البيانات، بل يحتاج إلى وقف فعلي للاعتداءات وضمانات واضحة تمنع استمرار الوضع الميداني المفتوح على التصعيد. ووفق المصادر، يكتسب لقاء رئيس الحكومة بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أهمية خاصة، باعتبار أن الولايات المتحدة تضطلع بدور أساسي في رعاية اتفاق الإطار، الذي لا يزال يصطدم بعقد أساسية. وبذلك، فإن التحدي، كما تلفت المصادر، لم يعد في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا فحسب، بل في تحويله إلى مسار قادر على إنتاج ترتيبات قابلة للتنفيذ. في المقابل، يقترب ملف "اليونيفيل" من لحظة حاسمة. قائد القوة الدولية الميجر جنرال ديوداتو أبانيارا تحدث عن ضرورة الانتقال السلس إلى جهات أخرى أو التمهيد لبعثة جديدة، في إشارة إلى أن البحث في مرحلة ما بعد "اليونيفيل" لم يعد افتراضًا بعيدًا. لكن الانتقال لن يكون بسيطًا، في ظل وجود أكثر من نصف مواقع القوة الدولية في مناطق تسيطر عليها إسرائيل حاليًا. وبحسب قائد القوة الدولية، فإنه في حال عدم صدور قرار جديد من مجلس الأمن، ستضطر القوة إلى إنهاء عملياتها نهاية العام. و