يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع المقبل اختباراً للقرار لا جولة بروتوكولية من الاجتماعات. في نيويورك، يستمع إلى وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. في واشنطن، يستقبل الرئيس الصيني شي جينبينغ في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر. بين الموعدين تُختبر الجدية الأميركية، والقدرة الخليجية على مخاطبة واشنطن بصوت استراتيجي واحد، والمدى الذي ستذهب إليه الصين دفاعاً عن شراكتها مع إيران. الحصيلة ستحدد اتجاه الاستنزاف في العد التنازلي إلى الانتخابات النصفية الأميركية وانتخابات إسرائيل: إما أن تستنزف واشنطن إيران اقتصادياً، أو تستنزف طهران الولايات المتحدة وحلفاءها بحرب معلقة وأذرع متحركة. ترامب قال لموقع «أكسيوس» إنه أمام «قرار كبير» حول استئناف الهجمات المكثفة لإنهاء الحرب، ورفض تحديد ما إذا كان سيحسم خياره قبل الانتخابات النصفية أو بعدها. كلامه ليس مجرد تهويل إذا اقترن بما أمر به مع وزير الدفاع بيت هيغسيث من إبقاء مستوى القوات الأميركية في المنطقة حتى نهاية السنة. يصبح ضجيجاً إضافياً إذا انتهى إلى التراجع نفسه الذي سبق أن حصل عندما حذرت السعودية وقطر من انتقام إيراني يستهدف منشآت النفط والغاز. مفترق القرار لا يضع ترامب أمام خيارين مبسطين بين ضربة عسكرية وصفقة. فالاستنزاف يملأ فراغ الحسم: عمليات عسكرية متتالية ومحسوبة لا تعلن حرباً شاملة ولا تنهيها، بالتوازي مع حصار بحري وعقوبات وخنق مالي. الخطر أن تتحول الصيغة المؤقتة إلى نمط مفتوح يشبه ما سمّاه فلاديمير بوتين «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، ثم امتد سنوات. هذا ليس مرغوباً به خصوصاً عشية انتخابات نصفية للكونغرس الاميركي في ظل أسعار طاقة مرتفعة، لكنه احتمال قائم ما دام الحسم غائباً وما دامت أطراف عدة ترى في إدامة الحرب ضماناً لبقائها. الحسابات الانتخابية تزيد المشهد خطورة. إسرائيل تتجه إلى انتخابات في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، وقد يحاول بنيامين نتنياهو فرض وقائع عسكرية قبلها أو توظيف المواجهة الإيرانية في معركته الداخلية. الحرس الثوري لا يرى بالضرورة مصلحة في نهاية الحرب؛ فهو يخشى أن تنتهي بفتح ملف دوره ومستقبله ومسؤوليته عن الكلفة التي دفعتها إيران. إدامة الصراع قد تصبح وسيلته لإدامة الحاجة إليه. يتقاطع منطق البقاء السياسي في إسرائيل مع منطق البقاء المؤسسي للحرس، فيما يحاول ترامب منع الطرفين من جر الولايات المتحدة إلى استنزافهما المتبادل. لقاء ترامب وشي هو الامتحان. المعركة ليست حول إيران وحدها. على الطاولة تجارة ورسوم جمركية وذكاء اصطناعي ورقائق وتكنولوجيا ومعادن نادرة وتايوان. لكل ملف ثمن، ولكل تنازل مقابل. مهمة ترامب أن يصوغ مقايضة تنقل الصين من الدعوة اللفظية لضبط النفس، إلى استخدام نفوذها الحقيقي على طهران. تريد الصين تخفيف القيود التجارية والتكنولوجية، واعترافاً أميركياً بمركزية تايوان في مصالحها، وضبط استخدام مبيعات السلاح الأميركية للجزيرة كورقة مساومة دائمة. تريد الولايات المتحدة من بكين أكثر بكثير من بيان يدعو إلى فتح مضيق هرمز. تطالبها بتضييق شراء النفط الإيراني، وإغلاق قنوات الدفع والتأمين والشحن، ومنع الشركات والمصارف الصينية من تمكين إيران من الالتفاف على العقوبات. دون ذلك، تبقى استراتيجية الخنق الاقتصادي ناقصة ومثقوبة. الأرقام تكشف حجم الرافعة الصينية. بكين اشترت أكثر من ثمانين في المئة من صادرات إيران النفطية المنقولة بحراً عام ٢٠٢٥. إيران لا تستطيع تعويض هذا الشريان بسهولة، فيما تستطيع الصين استخدامه إذا قررت إرفاق مطالبها بثمن. حتى الآن لم تفعل. طلبت بكين سراً من طهران، بعد مناشدة سعودية، أن تكبح الحوثيين وتحمي طرق الطاقة في البحر الأحمر. لكنها لم تهدد بعواقب اقتصادية إذا رفضت إيران. في اليوم نفسه، استخدمت الصين وروسيا حق النقض لإنهاء تفويض المراقبة المستقلة للعقوبات الدولية على إيران. هذه ليست مسافة عن طهران، بل غطاء سياسي لها ولشبكات التهرب من العقوبات. لم تسقط الشراكة الاستراتيجية الصينية–الإيرانية الممتدة خمسة وعشرين عاماً. بكين تريد هرمز مفتوحاً وباب المندب آمناً، لكنها لا تريد التخلي عن إيران كحليف استراتيجي ومصدر نفط وورقة في صراعها الأوسع مع واشنطن. مسؤولية ترامب أن يجعل كلفة حماية إيران أعلى من فوائدها للصين. العقوبات الثانوية على المصارف والشركات الصينية المتعاملة مع إيران أداة مهمة، شرط أن تكون جدية ومؤلمة لا انتقائية رمزية. المقايضة التجارية أداة أخرى، شرط ألا يدفع ثمنها أمن تايوان أو التفوق التكنولوجي الأميركي. التهديد العسكري أداة ثالثة، شرط أن تصدقه بكين وطهران معاً. توقيت تصريح ترامب عن الضربة الكبرى يخاطب شي جين بينغ بقدر ما يخاطب القيادة الإيرانية. الرسالة أن الجهد الديبلوماسي ت