لا يجوز أن يُقتل أبناؤهم مرتين (رويترز) هناك لحظة تتكرر في تاريخ الحروب، حين تنتهي لغة الوعود وتسقط الشعارات أمام النتائج على الأرض، ويصبح السؤال الذي حاول الجميع تأجيله مستحيلا: من يتحمل المسؤولية؟ هذه المقالة موجهة أولا إلى آباء وأمهات وعائلات الذين دفعوا الثمن الأغلى في الحروب التي أطلقها "حزب الله" من دون موافقة الدولة اللبنانية، وفي سياق ارتبط بمحاور ومصالح إيران. هؤلاء يستحقون أن يعرفوا من أرسل أبناءهم إلى طريق الموت، ومن اتخذ القرارات التي وضعتهم في ساحات القتال، ومن يتنصل اليوم من مسؤوليته ويلقي اللوم على الآخرين. الأقسى من خسارة الابن في ساحة المعركة أن تأتي بعدها محاولة التنصل من المسؤولية، ثم تحميل الجيش والدولة نتائج قرارات لم يتخذاها. عندها يُقتل هؤلاء الشبان مرتين: مرة في ساحة الحرب، ومرة عندما تُمحى مسؤولية من أرسلهم إليها وتُلقى الخسارة على عاتق الآخرين. في هذا السياق، يبرز كلام القيادي في "حزب الله" نوّاف الموسوي عن المنطقة الواقعة جنوب الليطاني وعن قلعة الشقيف، حين قال إن المناطق التي أُخذت "لم تُؤخذ من يدنا"، بل من يد السلطة اللبنانية، لأن "الحزب" كان قد سلّمها إلى الجيش والدولة. المعادلة تبدو بسيطة: نحن قاتلنا، صمدنا، سلّمنا الأرض إلى الدولة، وما حدث بعد ذلك أصبح مسؤولية الدولة. لكن هل بهذه البساطة تُكتب مسؤولية الحروب؟ الجميع يعرف أن الدولة اللبنانية لم تتخذ قرار الحرب إسنادًا لغزة أو إيران، ولم تكن صاحبة القرار الذي أدخل لبنان في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. والجميع يعرف أيضًا أن محور "أمل- حزب الله- إيران" لم يسلّم مراكزه للجيش، بل اختبأ وراء الدولة ومؤسساتها، ليكسب الوقت، ويلتقط أنفاسه، ويعيد تنظيم صفوفه. فمن اتخذ القرار، ومن يتحمل تبعاته؟ وهنا تحديدًا يصبح مثال الأدميرال الياباني إيسوروكو ياماموتو، القائد الأعلى للأسطول الياباني المشترك خلال الحرب العالمية الثانية، بالغ الأهمية. فقد كان يعرف الولايات المتحدة وقدراتها، وكان تحذيره واضحًا: "إذا أُمرت بالذهاب إلى الحرب، فسأتحرك بلا خوف خلال الأشهر الستة أو الاثني عشر الأولى، وسأحقق انتصارًا تلو الآخر. ولكن إذا استمرت الحرب بعد ذلك، فلا أستطيع أن أضمن النجاح." ضربت اليابان بيرل هاربر وحققت انتصارات سريعة، لكن الحساب الاستراتيجي تغيّر بعد نحو ستة أشهر في معركة ميدواي. وهنا تتضح مسؤولية القيادة: فليس المهم أن يكون المقاتل شجاعًا وقادرًا على القتال، بل أن تكون القيادة قد حسبت مسبقًا ميزان القوى، والقدرة على الاستمرار، والأهداف التي يمكن تحقيقها، والثمن الذي سيدفعه الشعب. فالحديث عن القتال "من بيت إلى بيت" وعن شجاعة المقاتلين لا يحسم السؤال حول صحة قرار الحرب. البطولة التكتيكية لا تصحح خطأً استراتيجيًا. وعندما تظهر نتائج الخطأ الاستراتيجي، تبدأ مرحلة أخرى: البحث عن رواية تفسّر النتائج، وأحيانًا تعيد توزيع المسؤولية. ولعل أفكار سيرج تشاخوتين تساعدنا على فهم ما يمكن أن نفهمه من كلام نوّاف الموسوي: استخدام الرواية والدعاية لإعادة توجيه المسؤولية بعيدًا عن صاحب القرار. فبدل مواجهة القرارات التي أدت إلى الحرب ونتائجها، تُعاد صياغة القصة بحيث يصبح الجيش في موقع المسؤول عن الخسارة. إنها محاولة لتحويل الخطأ الاستراتيجي إلى رواية تُحمّل الآخرين ثمنه. وبين "نحن" و"هم" تختفي الأسئلة التي يجب أن تبقى في قلب النقاش: من قرر فتح الحرب؟ من قرر ربط لبنان بغزة وطهران؟ من قدّر ميزان القوى؟ من حدد أهداف المواجهة؟ ومن يتحمل نتائج هذه القرارات؟ وتتحمل رئاسة الجمهورية والحكومة أيضًا مسؤولية مراجعة المسار الذي اتُّبع منذ كانون الثاني 2025 في التفاوض مع "حزب الله" وحركة "أمل"، والتدقيق في ما إذا كانت هذه المفاوضات قد حققت الهدف الذي أُجريت من أجله، أم أنها منحت محور "أمل- حزب الله- إيران" وقتًا إضافيًا لإعادة تنظيم صفوفه والاستعداد لمرحلة جديدة، والاختباء اليوم خلف الدولة ومؤسساتها. وفي الوقت نفسه، على الرئاسة والحكومة أن تدافعا بوضوح عن الجيش عندما تُوجَّه إليه مثل هذه الاتهامات، وأن تضعا المسؤولية في مكانها الصحيح. أما عائلات الذين دفعوا الثمن، فلهم الحق في معرفة الحقيقة كاملة: من أرسل أبناءهم إلى طريق الموت، ومن يتحمل مسؤولية النتائج. فلا يجوز أن يُقتل أبناؤهم مرتين: مرة في ساحة الحرب، ومرة أخرى عندما تُنكر مسؤولية من أرسلهم إليها. نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ