بين وقت وآخر، يعود التعديل الوزاري إلى واجهة البحث في لبنان. هذه المرة من بوابة الأداء الحكومي نفسه. فحكومة الرئيس نواف سلام ممنوع إسقاطها في المرحلة الراهنة، ومحمية بقرار أميركي ـ سعودي يؤمّن مظلة لرئيسها، تجعله يحظى بثقة نيابية لثلاث مرات متكررة، فيخرج مطمئنًا إلى طول عمر حكومته. لكن ذلك لا يلغِ وجود خلل في أدائها، وثلاثة رؤساء غير راضين فعليًا عن الوزراء في الحكومة. ففي مجالسه، لا ينقطع رئيس الجمهورية جوزاف عون عن إبداء تحفظاته على أداء عدد من الوزراء، حتى من المحسوبين عليه، منتقدًا عدم إدراك بعضهم كيفية إدارة ملفاتهم وتحسين صورة العهد إعلاميًا. أما رئيس الحكومة، فلم يعد مرتاحًا بدوره إلى أداء بعض الوزراء المحسوبين عليه، ولا سيما أولئك الذين تبدو ولاءاتهم السياسية مرتبطة بمرجعيات أخرى. من هنا، عاد خيار التعديل الوزاري إلى التداول بقوة أكبر، بالتوازي مع اتصالات ومشاورات يُراد منها إعطاء دفع جديد للعمل الحكومي، ولا سيما بعد إعادة نيل الحكومة الثقة النيابية. فالتطورات الراهنة، تفرض استمرار الحكومة لما لا يقل عن سنة وثمانية أشهر، فيما تبدو إنتاجية عدد من الوزارات محدودة، ما يعيد طرح الحاجة إلى تعديلات تمنح الحكومة زخمًا وتحسّن أداءها. ولم تكن جلسة مساءلة الحكومة في المجلس النيابي بعيدة عن هذا المسار. فالانتقادات التي وُجّهت إلى عدد من الوزراء، وبعضها جاء من داخل كتلهم السياسية، بدت بمثابة إشارة إلى حجم الاعتراض على أداء بعض الوزراء، وفتحت الباب أمام البحث في تعديل وزاري يمكن أن يتم بالتوافق بين مختلف القوى، من دون المساس بالحصص والتوازنات القائمة أو الذهاب إلى تغيير جذري في تركيبة الحكومة. تقول الرواية إن عون سبق وفاتح القوات اللبنانية بإمكانية تغيير وزيري الخارجية والمغتربين والطاقة والمياه. وزيران محاطان باتهامات التقصير في إدارة وزارتيهما، ولا سيما وزير الطاقة، في ظل العتمة التي تظلل لبنان ولم يعد ينفع معها رمي الاتهام على العهود السابقة. إلا أن هذا الطرح لا يبدو سهلًا. فحسب المطلعين، تتحفظ القوات اللبنانية على أي تعديل يطال حصتها الوزارية، خشية أن يُفهم الأمر باعتباره إقرارًا بتقصير وزرائها أو تراجعًا في موقعها داخل الحكومة. في المقابل، لا يريد عون أن يظهر وكأنه الطرف الوحيد الذي يستبدل وزراءه، لذلك برز اقتراح يقضي بأن يأتي التعديل تحت عنوان "شدّشدة عمل الحكومة وتقويتها"، بحيث يشمل وزراء يُنظر إلى أدائهم باعتباره دون المستوى المطلوب، بدل أن يبدو التغيير موجهًا ضد طرف سياسي بعينه. وزراء السياحة والبيئة والإعلام ولا تقتصر الملاحظات على حقيبتي الطاقة والخارجية، إذ تطال وزارات أخرى، بينها السياحة والبيئة والإعلام. لكن توسيع دائرة التعديل يفتح تلقائيًا "باب جهنم" على رئيس الحكومة، بحيث يصبح من الصعب إجراء تغيير يطال فريقًا دون سواه. وهنا تبدأ العقدة السياسية: أي تعديل جدي قد يفرض نفسه على جميع القوى، فيما لا تبدو بعض هذه القوى راغبة أصلًا في فتح هذا الباب. وفي هذا الإطار، تبدو مواقف الثنائي الشيعي أكثر تحفظًا تجاه التعديل في الوقت الراهن. فحزب الله راضٍ عن وزرائه، فيما لدى حركة أمل بعض الملاحظات على أداء الوزيرة تمارا الزين. وترغب في سرها في استبدال الوزير فادي مكي بوزير آخر أكثر انسجامًا مع توجهات الثنائي، إلا أن تغيير مكي لا يبدو مطروحًا في حسابات عون، فيما يفضّل الثنائي، وفق المعطيات نفسها، إقفال باب التعديل في المرحلة الحالية. وهكذا، تكمن إحدى مفارقات الحكومة في أنها تحظى بثقة نيابية متجددة وبغطاء إقليمي ودولي، في وقت تواجه في الداخل ملاحظات متزايدة على أداء عدد من وزرائها. بعض هؤلاء بات تحت مجهر الاتهامات بالتقصير، فيما لا يزال بعضهم الآخر بعيدًا عن الحضور السياسي والإعلامي، بينما يُؤخذ على آخرين الإفراط في الإطلالات الإعلامية من دون أن يوازيها، في نظر منتقديهم، إنتاج حكومي ملموس. وفي المقابل، لا يخلو المشهد من ملاحظات الوزراء أنفسهم على أداء رئيسَي الجمهورية والحكومة، ولا سيما في ملفات حساسة، بينها المفاوضات مع إسرائيل وطريقة إدارة الحكومة لهذا المسار، وسط شعور لدى بعض الوزراء بأن دور مجلس الوزراء في عدد من الملفات لا يأخذ المساحة التي يفترض أن يحتلها. لذلك، قد لا يكون توقيت التعديل قد نضج بعد، لكن طرحه بات حاضرًا بقوة، وقد يعود إلى الواجهة في أي لحظة، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار والتضخم وتراكم الملفات الاجتماعية والمعيشية، بالتوازي مع تحركات مطلبية بدأت تجد طريقها إلى الشارع. وكلما اتسعت دائرة الاعتراض على الأداء، يصبح التعديل أحد الخيارات المطروحة لإعادة ضخ الحيوية في الحكومة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرها أو إسقاطها. وفي المقابل، تبدو ولادة حكومة بديلة في هذه المرحلة أكثر تعقيدً