جدّد الرئيس الأميركي يوم الخميس الماضي إدعاءه بشأن رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، زاعماً أن الإيرانيين اتصلوا مباشرة بالمسؤولين الأميركيين. كما ادعى أيضاً" قائلاً: "إما أن نتوصل إلى اتفاق جيد أو لن نتوصل إلى أي اتفاق على الإطلاق. ومع ذلك، صرّح بأنه لا يعتقد أن إيران مستعدة للاتفاق، لكنه لم يقدم أي أدلة تثبت رغبة إيران للتفاوض والاتفاق. ويبدو أنه ينسب رغباته وتطلعاته الشخصية إلى الطرف الإيراني، غير أن هذا الأسلوب يؤدي إلى نتيجة عكسية، ولا يزيد الإيرانيين إلا عزيمةً على المزيد من المقاومة أمامه والتصدي لابتزازه. لم يعد الإيرانيون يأخذون ترامب وتهديداته على محمل الجد إذ يبدو أن ترامب قد أزال الخوف من قلوب الإيرانيين وكسر هيبة أمريكا في أعينهم، وفي الوقت نفسه أدت الحرب التي شنها ضد إيران إلى استنزاف القوة العسكرية الأميركية واحتياطياتها. قبل التطورات في اليمن والتقدم المذهل لـ "أنصار الله" كان ترامب يستبعد التفاوض مع إيران تماماً، بل واعتبر قيمة ورقة مذكرة تفاهم إسلام آباد أقل من الحبر الذي كُتبت به. غير أن أحداث اليمن غيرت نبرته، فبالرغم من تراجع التفوق الاستراتيجي الإيراني في مضيق هرمز، إلا أن الورقة الرابحة في باب المندب، الذي أصبح تحت السيطرة المباشرة لأنصار الله، قد رجّحت كفة الميزان لصالح إيران. وبغض النظر عن ورقة المضيقين الحيويين لنقل الطاقة، فإن أداة الضغط المتمثلة في استهداف البنية التحتية لدول الجوار ما زالت بيد إيران، كما أن تهديدات ترامب المتكررة -التي تراجع عنها في كل مرة- عززت ثقة إيران بنصرها. الضغوط المتبادلة بين الحكومتين والشعبين تستخدم إيران، من خلال عرقلة نقل النفط عبر مضيق هرمز، استراتيجية الاستنزاف ذاتها التي فرضتها الولايات المتحدة عليها والتي تحاول عبرها ممارسة "الضغط الأقصى" الاقتصادي لدفع الشعب الإيراني إلى النزول للميدان ضد حكومته. غير أن الفارق يكمن في أن إيران تريد، على أعتاب الانتخابات النصفية الأميركية، ومن خلال إرباك سوق الطاقة العالمي، الضغط على المواطن الأميركي لتوجيه نتيجة الانتخابات المقبلة لصالح الديمقراطيين. وتراهن إيران على أنه كلما ارتفعت تكاليف المعيشة على المواطن الأميركي، زادت احتمالية هزيمة الجمهوريين، وبعد حصول الديمقراطيين على الأغلبية في مجلس الشيوخ، وعلى الرغم من الصلاحيات الواسعة للرئيس، تزداد إمكانية مساءلته واستدعاء مسؤولي إدارته من قبل مجلس الشيوخ. والآن يوشك سعر الديزل في الولايات المتحدة على تجاوز حاجز الـ 5 دولارات للغالون الواحد، والمستهلك الأميركي ينظر في قرار تصويته قبل أي شيء آخر إلى مدى ملاءمة وتكلفة معيشته. رهان إيران على الناخب الأميركي بناءً على ذلك، تراهن إيران الآن على الناخبين الأميركيين لتذيق ترامب هزيمة انتخابية. وقد عزز أعضاء الكونغرس الأميركي أمل إيران قبل أيام عبر تصويتهم لصالح إنهاء الحرب معها، حيث انضم سبعة من النواب الجمهوريين إلى النواب الديمقراطيين. لقد وصلت إيران الآن إلى قناعة مفادها أن المفاوضات والاتفاقات الهشة والمؤقتة والعابرة لن تحل مشكلتها، وأن عليها الاستمرار في المقاومة ضد العدوان العسكري والعقوبات الاقتصادية والحصار البحري والعزلة حتى تُخيب عدوها وتوصله إلى نتيجة مفادها، أن تكلفة قبول الفشل أقل من تكلفة الاستمرار في حربه الشاملة. وقال المستشار السياسي لمرشد إيران محمد باقر ذو القدر إن إيران لن تفتح مضيق هرمز ما لم يبتعد ترامب ونتنياهو عن السلطة، ولكن يبدو أن قصده من هذا الكلام هو هزيمة الاثنين في الانتخابات المقبلة في أميركا وإسرائيل. وقبله بأيام، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أيضاً أنه لن تكون هناك أي مفاوضات ما لم تصحح الولايات المتحدة سلوكها. ويبدو أن المطالب الإيرانية لا تختلف كثيراً عن بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد. وفقاً لتقرير وكالة رويترز، لجأت السعودية، بعد إحباطها من ترامب الذي ترك طلبها بالتدخل العسكري ضد أنصار الله دون رد، إلى الصين لكي تستغل نفوذها لدى إيران لوقف هجمات الحوثيين. وتكتسب زيارة عباس عراقجي إلى الصين -والتي وصفها بالناجحة- أهميةً سواء من حيث تأثير إيران على صادرات النفط السعودية أو من حيث وساطة شي جين بينغ بين إيران والولايات المتحدة. وتتجه الأنظار منذ الآن إلى لقائه المرتقب الأسبوع المقبل مع ترامب. تستورد الصين يومياً 12 مليون برميل من النفط، ويعد أمن الطاقة والتجارة في مضيقي هرمز وباب المندب أمراً حيوياً بالنسبة لها. وبما أن الصين تشتري أكثر من 90% من النفط الإيراني، فإنها تتمتع بأكبر قدر من النفوذ على إيران. وفي حالة الانسداد الراهنة التي تسعى فيها كل من إيران والولايات المتحدة إلى تحقيق نصر رمزي أكثر من تقييم النصر بالمعايير المادية وحسابات الربح والخسارة، فإن وسيطا