تضع أسعار المازوت الجديدة الحكومة السورية أمام اختبار قدرتها على تخفيف الأعباء المعيشية واحتواء حالة الاستياء التي أعقبت رفع أسعار المحروقات، وسط ترقب لآلية تطبيق الأسعار الجديدة ومدى انعكاسها على تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة وأسعار السلع والخدمات. وجاءت الخطوة بعد أيام من رفع سعر ليتر المازوت القياسي من 125 إلى 175 ليرة، أي بنسبة 40 بالمئة، وهو ما أثار احتجاجات في مناطق سورية عدة، تخلل بعضها قطع طرق وإشعال إطارات ومطالبات بمراجعة القرار. وأعلن وزير الطاقة محمد البشير أخيراً طرح ثلاثة أنواع من المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام، بدلاً من الاعتماد على منتج واحد مرتفع المواصفة والتكلفة، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية. وبحسب الخطة الجديدة، سيطرح نوع مدعوم بسعر 115 ليرة لليتر مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، إلى جانب نوع بسعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، فيما يستمر توفير المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر. لا تبدو المسألة مرتبطة بالسعر وحده، إذ سيكون حجم الكميات المتاحة وقدرة المستهلكين على الحصول على المازوت بالسعر المدعوم عاملين أساسيين في تحديد أثر القرار على الحياة اليومية. وتعتزم وزارة الطاقة إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، على أن يخصص كامل إنتاجها من المازوت لتأمين النوع المدعوم بسعر 115 ليرة، وتُنظم عملية توزيعه بالتنسيق بين الشركة السورية للبترول والمحافظات والجهات المعنية. ولم تحدد الوزارة حتى الآن موعداً نهائياً لبدء بيع الأنواع الجديدة، فيما قالت الشركة السورية للبترول إنها تعمل على خطة التنفيذ، وإن الإجراءات ستبدأ خلال الأيام المقبلة بحسب الجاهزية الفنية والإدارية، على أن يجري البيع عبر محطات محددة داخل المحافظات. ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام العمر أن خفض سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة إلى 115 ليرة يمكن أن يخفف جزءاً من الأعباء، لكن أثر القرار لن يقاس بالسعر المعلن وحده، وإنما بقدرة الحكومة على توفير المادة بالكميات المطلوبة وضمان وصولها إلى الفئات المحددة. وقال العمر في حديث لـ"المدن"، إن سعر 150 ليرة المخصص لبعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية قد يخفف جزءاً من تكاليف التشغيل مقارنة بالسعر القياسي البالغ 175 ليرة، إلا أن انعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات يحتاج إلى وقت ويرتبط بحجم استفادة المنتجين والناقلين من السعر المخفض. ونبه العمر إلى أن أحد المخاطر يتمثل في ظهور فجوة بين السعر الرسمي والسوق في حال كانت الكميات المدعومة محدودة، معتبراً أن وضوح آلية التوزيع والرقابة عليها سيكونان عاملين أساسيين في تقييم نجاح السياسة الجديدة. وبالتوازي، يقول الموظف حكومي نادر قزاز، إن خفض السعر خطوة إيجابية بالنسبة إلى الأسر. لكنه يرى أن السؤال الأهم يتعلق بالكمية التي ستحصل عليها الأسرة بالسعر المدعوم، ولا سيما مع اقتراب موسم الشتاء. أمّا المزارع حميد العيسى من ريف حلب، فتحدّث عن أن تخصيص المازوت الزراعي بسعر 115 ليرة قد يخفف تكاليف تشغيل الآليات والري، لكنه ينتظر معرفة الكميات التي ستخصص لكل مزارع وآلية الحصول عليها ومواعيد توزيعها. تقول وزارة الطاقة إن رفع أسعار المشتقات الأخير، جاء في ظل ارتفاع تكاليف توفير الوقود والشحن والتأمين عالمياً، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس مؤقتاً لإجراء عمرة شاملة، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية الجاهزة. وتحتاج السوق السورية، وفق بيانات وزارة الطاقة، إلى نحو 7.72 ملايين ليتر من المازوت يومياً، منها 4.63 ملايين ليتر مستوردة، مقابل إنتاج محلي يبلغ 3.09 ملايين ليتر، أي إن نحو 60 بالمئة من الإمدادات تعتمد على الاستيراد. وتراهن الوزارة كذلك على عودة مصفاة بانياس إلى العمل وزيادة قدرتها التكريرية، مؤكدة أن ارتفاع الإنتاج المحلي أو انخفاض الأسعار العالمية وتكاليف الشحن والتأمين يمكن أن ينعكس على الأسعار المحلية عند مراجعتها. ويمنح طرح المازوت بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة الحكومة ورقة لتخفيف جزء من تداعيات الزيادة الأخيرة، خصوصاً أن السعر الجديد يقل عن السعر السابق للمازوت القياسي والبالغ 125 ليرة. لكن نجاح الخطوة في تخفيف حالة الاستياء الشعبي سيبقى مرتبطاً بالتطبيق الفعلي: حجم المخصصات، وانتظام التوزيع، وعدالة تحديد المستفيدين، وتوافر المادة في المحافظات، ومدى انتقال انخفاض تكلفة الوقود إلى أسعار النقل والإنتاج والسلع. وبينما قدمت الحكومة ثلاثة أسعار مختلفة كبديل عن تسعيرة واحدة، يبقى السؤال الذي سيحدد موقف الشارع خلال الفترة المقبلة: هل سيشعر المواطن بانخفاض التكلفة في حياته اليوم