كتب العميد منير شحادة:ليس كل قائدٍ عسكري يُختبر في ساحات القتال، وبعض القادة يكون امتحانهم الأصعب أن يعرفوا متى يقاتلون، ومتى يمنعون الحرب، ومتى يدركون أن الرصاصة التي قد تحقق انتصارًا عسكريًا في لحظة، يمكن أن تشعل وطنًا بأكمله.في لبنان، حيث لم تكن المؤسسة العسكرية يومًا بمعزل عن تعقيدات السياسة والطوائف والحروب والاحتلالات، تبدو مهمة قائد الجيش اليوم واحدة من أشد المهمات صعوبة وخطورة. وفي قلب هذا الاختبار يقف العماد رودولف هيكل.رجلٌ أمضى أكثر من ثلاثة عقود في المؤسسة العسكرية، تدرَّج في صفوفها منذ عام ١٩٩٠، وخدم في الوحدات القتالية والاستخباراتية، وتولى قيادة اللواء الأول وقطاع جنوب الليطاني، ثم مديرية العمليات، قبل أن يتولى قيادة الجيش في آذار ٢٠٢٥. وهي مسيرة موثقة في السجل الرسمي للجيش اللبناني، وتكشف أن الرجل لم يصل إلى رأس المؤسسة من بوابة سياسية، بل عبر تدرج عسكري طويل.لكن المفارقة أن الرجل الذي وصل إلى قيادة الجيش في أكثر المراحل حساسية، وجد نفسه بعد أشهر قليلة في قلب معركة سياسية لا تشبه المعارك التي خاضها طوال حياته العسكرية.فالمطلوب منه، وفق بعض الأصوات السياسية، ليس فقط أن يقود الجيش ويحمي الحدود ويحفظ الأمن، بل أن يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع حزب الله، وأن يذهب إلى مواجهة داخلية قد تكون نتائجها أخطر من قدرتها على تحقيق أهدافها.وهنا تحديدًا يصبح السؤال: هل قيمة قائد الجيش أن يفتح معركة، أم أن قيمته أن يعرف أي معركة يجب ألا يفتحها؟هيكل... ابن المؤسسة لا ابن اللحظة السياسيةلا يمكن قراءة شخصية رودولف هيكل من خلال مواقفه الحالية فقط.الرجل التحق بالكلية الحربية في ١٢ شباط ١٩٩٠، في مرحلة كان لبنان يخرج فيها من حرب أهلية طويلة، وتدرج في الرتب والمواقع حتى أصبح قائدًا للجيش. وتولى خلال مسيرته وظائف ميدانية واستخباراتية وقيادية متعددة، وصولًا إلى قيادة قطاع جنوب الليطاني ثم مديرية العمليات.وفي وصف مجلة الجيش لمسيرته، ورد أنه راكم رصيدًا من الكفاءة والشجاعة والتضحية، وأن اسمه لمع في ميادين القتال أهمها في معركة نهر البارد ، كما و في الخدمة والتدريب، وحمل عددًا من أوسمة الشرف والتقدير.وهنا تكمن واحدة من أهم سمات شخصيته: هيكل رجل مؤسسة قبل أن يكون رجل موقف.لم يصنع نفسه في المنابر السياسية، ولم يصل إلى قيادة الجيش من خارج المؤسسة، ولم تكن مسيرته قائمة على الخطابات الإعلامية.لقد أمضى سنوات طويلة وهو يتعلم شيئًا يعرفه العسكريون أكثر من السياسيين: أن القرار العسكري لا يُقاس فقط بلحظة إصداره، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه في اليوم التالي.قائد يعرف الجنوب من الداخلربما لم يكن صدفة أن تكون إحدى أبرز محطات مسيرة هيكل قيادة قطاع جنوب الليطاني.فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية في عقيدة الجيش اللبناني.إنه المكان الذي تلتقي فيه الحدود والاحتلال والمقاومة والجيش واليونيفيل، وتختلط فيه الاعتبارات العسكرية بالأمنية والسياسية والإنسانية.ولهذا فإن قائد الجيش الحالي يعرف الجنوب من الميدان، لا من الخرائط والتقارير فقط.وقد وصفته صحفٌ أجنبية عند تعيينه قائدًا للجيش، بأنه (وجه مألوف في جنوب لبنان)، مشيرة إلى مسيرته الطويلة في المؤسسة وإلى خبرته السابقة في المنطقة.وهذه المعرفة الميدانية تكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة يُطلب فيها من الجيش أن يتخذ قرارات بالغة الحساسية على الأرض.فالقائد الذي يعرف الجنوب يعرف أن القرارات العسكرية لا تقع على أرضٍ خالية من الناس، وإنما في قرى وبلدات يعيش فيها لبنانيون، وفي منطقة ما زالت تحمل آثار الحروب والاحتلالات والصراعات.الحكمة التي أزعجت البعضهنا بدأت مشكلة هيكل مع بعض القوى السياسية.فالرجل لم يندفع إلى مواجهة عسكرية شاملة مع حزب الله، رغم الضغوط التي مورست على الجيش لحصر السلاح بيد الدولة.وكان واضحًا في مقاربته أن فرض سلطة الدولة لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب داخلية.وقد أشار تحليل لمركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن حذر هيكل مفهوم، واعتبر أن الجيش لو حاول مصادرة ترسانة حزب الله بالقوة فقد يواجه مقاومة شديدة، وأن المواجهة يمكن أن تتحول إلى صدام واسع مع البيئة الشيعية، بما يعرِّض المؤسسة العسكرية نفسها لأضرار بالغة.وهذا ليس دفاعًا عن حزب الله، ولا حكمًا على ملف السلاح. إنه توصيف عسكري بارد لسؤال بسيط:هل يستطيع لبنان أن يتحمل نتائج صدام بين الجيش و حزب الله ؟هنا يظهر الفرق بين القائد العسكري والسياسي.السياسي يستطيع أن يطلق شعارًا.أما القائد العسكري فعليه أن يحسب عدد البنادق، ونوعية الأرض، واحتمالات الانقسام، وقدرة المؤسسة على الاستمرار بعد انتهاء المعركة.لا يريد أن يكون الجيش جيش فئةفي إحدى أهم عباراته، قال هيكل إن الجيش يقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وشدد على أن لا طائفة بين من يرتدي البزة العسكرية.وفي آب ٢