لم تعد العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان محصورة بالمواقع العسكرية أو بالمنطقة التي تُعرف بـ"الخط الأصفر"، بعدما اتسعت خلال الساعات الماضية رقعة الغارات والتفجيرات لتشمل بلدات ومناطق لم تكن مدرجة سابقاً ضمن نطاق السيطرة المعلن. ففي المنصوري، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير متتالية طالت منازل وأبنية، بالتزامن مع تحرك آليات عسكرية وجرافات داخل البلدة وقصف مدفعي كثيف لمحيطها. كما أُحرقت منازل في بيوت السياد، فيما استمرت عمليات النسف في ميس الجبل والخيام ودير سريان. أما النبطية الفوقا، فتعرضت لثلاث غارات جوية على الأقل، وقعت إحداها أثناء توجه فرق إسعاف إلى موقع الضربات الأولى، ما دفع العناصر إلى الاحتماء والانسحاب من المنطقة من دون تسجيل إصابات في صفوفهم. بالتوازي، تركز القصف على وادي زبقين وصربين، وسُجلت تحركات ميدانية بين حداثا وحاريص، وسط مخاوف محلية من أن يكون الضغط الناري تمهيداً لمحاولة تقدم جديدة أو لتوسيع نطاق المنطقة التي تمنع إسرائيل السكان من العودة إليها. وتكمن خطورة ما يجري في أن المنصوري لم تكن محسوبة أساساً ضمن المناطق المشمولة بما يُعرف بـ"الخط الأصفر". إلا أن عمليات الهدم اليومية توحي بأن الحدود الميدانية لهذه المنطقة لم تعد ثابتة، وأن إسرائيل تتحرك وفق خريطة متبدلة ترسمها الجرافات والغارات، لا وفق خطوط معلنة أو تفاهمات واضحة. وفي مقابل الرواية الإسرائيلية التي تزعم استهداف بنى عسكرية تابعة لحزب الله، تظهر الوقائع الميدانية هدم منازل وإحراق مبانٍ واقتلاع أشجار وضرب مقومات الحياة في البلدات المستهدفة، من دون تقديم أدلة علنية على طبيعة كل هدف. ما يحصل لم يعد مجرد سلسلة غارات متفرقة، بل يبدو مساراً منظماً يقوم على الإفراغ ثم العزل ثم الهدم، تمهيداً لفرض واقع جغرافي وأمني جديد. وإذا لم تتحرك الدولة لتوثيق كل منزل وعقار ومنشأة، فقد يجد لبنان نفسه أمام منطقة جديدة اتسعت تدريجياً من دون إعلان رسمي، فيما تحولت حدودها المؤقتة إلى أمر واقع دائم.