إذًا، لا خطوط حمراء تحدّ من عدوان إسرائيل في جنوب لبنان، ولا ضغوط تُمارس عليها لوقف توسّعها وانتهاكاتها المتواصلة. لإسرائيل أن تضرم النار في مستشفى، وأن تروّع الجيش اللبناني وتجبره على تغيير نقطة تمركزه في دير ميماس، وأن تفجّر وتقتل وتجرف منازل بلا رادع، وتشترط طبيعة القوّة البديلة لـ"اليونيفيل" في جنوب لبنان. يجري كلّ ذلك بينما يستجدي لبنان مفاوضات لم يُحدَّد موعدها بعد، ويجدها حبل خلاصه الوحيد، ويتمسّك بشعار إنهاء العداء مع إسرائيل، بينما يحوّل عدوان إسرائيل قرى الجنوب إلى رماد. وفي قلب هذه اللحظة، يتوجّه رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك وواشنطن، وملف الجنوب في صلب جدول أعماله، بعدما نسّق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي بشأن التطوّرات والملفات التي سيطرحها في لقاءاته الأميركية. لكنّ الملف الذي تحمله بيروت لم يعد يقتصر على تحديد موعد لجولة تفاوضية جديدة، بل بات يمتدّ من الانسحاب الإسرائيلي وحدود انتشار الجيش، إلى مستقبل "اليونيفيل" وشكل الحضور الدولي البديل، وصولًا إلى تثبيت حصرية السلاح والأمن بيد الدولة. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية. فبينما تبحث الدولة عن مخرج تفاوضي يوقف الحرب ويعيد تثبيت سلطتها على الجنوب، تتحرّك إسرائيل وفق معادلة تقوم على استثمار تفوّقها العسكري لإعادة تشكيل البيئة الأمنية، ثمّ التفاوض انطلاقًا من الوقائع التي فرضتها. مخرج إقليمي في موازاة التفاوض وفي موازاة الرهان الرسمي على المسار التفاوضي، أطلّ الرئيس السابق للحزب "التقدّمي الاشتراكي" وليد جنبلاط من زاوية إقليمية أوسع، معتبرًا أنّ أحد المخارج الممكنة لوقف "تعميم الحرب" قد يكون تطبيق "اتفاق إسلام آباد"، مع ضرورة تنفيذ هدنة مع الحوثيين. ويضع موقف جنبلاط الأزمة اللبنانية ضمن مشهد إقليمي مترابط، بحيث لا تنفصل احتمالات التهدئة في لبنان عن خفض التصعيد في ساحات أخرى، ولا سيّما مع توسّع رقعة المواجهة وتشابك المسارات العسكرية والسياسية في المنطقة. غير أنّ أيّ حديث عن التهدئة يتزامن مع اتّساع حرّيّة الحركة العسكرية الإسرائيلية جنوبًا. فالغارات على النبطية الفوقا، والقصف والتفجيرات في القرى الجنوبية، والاحتكاك المباشر مع الجيش اللبناني في دير ميماس، تجعل المسار التفاوضي محكومًا بوقائع ميدانية تتغيّر بوتيرة سريعة. وتظهر مرتفعات علي الطاهر بوصفها النموذج الأوضح على ذلك. فالتفاصيل التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن العملية هناك تتحدّث عن تحرّك عسكري ولوجستي واسع، لا عن غارة عابرة أو توغّل محدود. ووفق الرواية الإسرائيلية، عمل الجيش على تفكيك شبكة أنفاق قال إنّ طولها تجاوز خمسة كيلومترات، مستخدمًا كميات ضخمة من المتفجّرات خلال عملية استغرقت أسابيع وشاركت فيها وحدات قتالية وهندسية. والأهمّ من الأرقام، التي تبقى جزءًا من الرواية الإسرائيلية للعملية، هو مدلولها السياسي. فعملية بهذا الحجم تكشف أنّ إسرائيل تستخدم وجودها العسكري لإعادة تشكيل البيئة الأمنية داخل الجنوب، عبر إزالة ما تعتبره تهديدات قبل حسم أيّ انسحاب أو ترتيبات لاحقة. وتكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية إضافية لأنّها خرجت من كونها موقعًا عسكريًّا لتتحوّل إلى عقدة سياسية وتفاوضية. فالمنطقة تشرف على مساحات واسعة من الجنوب، وارتبط اسمها بالنقاش حول توسيع انتشار الجيش اللبناني واحتمالات الانسحاب الإسرائيلي من بعض المواقع. ومن هنا تظهر معادلتان متقابلتان. بيروت تريد أن تقود المفاوضات إلى وقف العمليات الإسرائيلية، والانسحاب، وتمكين الجيش من الإمساك بالأرض، فيما تصرّ إسرائيل، وفق مواقفها المعلنة، على استكمال ما تصفه بـ"إزالة التهديدات" قبل حسم شكل انتشارها وانسحابها. وتكتسب هذه الفجوة دلالة أكبر بعد اجتماع باريس المخصّص لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرته على تولّي مسؤوليات أوسع في الجنوب. فحادثة دير ميماس، والغارات المتواصلة، تكشفان الهوّة بين التصوّر الدبلوماسي القائم على تقوية المؤسسة العسكرية اللبنانية وتمكينها من الإمساك بالأرض، وبين واقع ميداني لا تزال إسرائيل تمتلك فيه قدرة واسعة على التحرّك وفرض قيود على انتشار الجيش نفسه. ويتداخل ذلك مباشرةً مع مستقبل "اليونيفيل". فالسؤال لم يعد محصورًا بمن سيملأ الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء دور القوّة الدولية، بل بطبيعة الجنوب الذي سيخرج من المرحلة المقبلة، وبمن يمتلك فعليًّا القدرة على ضبطه. وهنا تتقاطع ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل آليات التنسيق الدولية. فأيّ تراجع في الدور الدولي، من دون بناء آلية واضحة وفعّالة، قد يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، وهو ما قدّمت دير ميماس نموذجًا مبكرًا عنه. تبدو المعضلة اليوم أكثر وضوحًا: لبنان يريد مفاوضات توقف الحرب، فيما تستخدم إسرائيل