في خطاب حمل رسائل مباشرة بشأن مستقبل الأمن في الشرق الأوسط ودور القوى الخارجية فيه، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى تغيير المسار الدولي القائم على التدخل العسكري والضغوط، معتبراً أن أمن المنطقة يجب أن تصنعه دولها بنفسها، لا أن يُفرض عليها من الخارج. وأفادت وكالة "إرنا" بأن عراقجي تحدث، اليوم السبت، أمام مؤتمر "الدعوة إلى تحول عالمي.. إعادة التنمية إلى صدارة الاهتمام، وإحياء الكرامة الإنسانية وإعادة بناء العدالة في عالم مضطرب"، الذي عُقد ضمن "منتدى الحوار العالمي 2026" واستضافته جمعية السياسة الخارجية الإندونيسية. وأكدت تقارير أخرى انعقاد المؤتمر ومشاركة عراقجي فيه بهذه الرسائل. وقال عراقجي إن "نمطاً خطيراً" تشكّل في العالم، يقوم على تحول القوة العسكرية من خيار أخير إلى أداة دائمة لإعادة رسم المشهدين السياسي والأمني، معتبراً أن العقود الماضية من التدخلات الخارجية والضغوط والحروب في غرب آسيا أثبتت، بحسب رأيه، أن التدخل العسكري لا يصنع الأمن وأن الإكراه لا يقود إلى السلام. وأشار إلى أن الحرب والعقوبات والتدخل واستخدام القوة تحولت من استثناءات إلى أدوات اعتيادية في السياسة الدولية، متسائلاً عن قدرة النظام الدولي الحالي على منع الحروب وحماية المدنيين وتطبيق القانون الدولي بصورة متساوية. وتطرق عراقجي إلى الحرب في غزة والتطورات في لبنان، موجهاً انتقادات حادة إلى إسرائيل، ومعتبراً أن ما شهدته المنطقة يعكس، وفق توصيفه، نمطاً يقوم على استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية. كما وضع المواجهة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية مع إيران ضمن السياق نفسه، واصفاً إياها بأنها "غير قانونية وغير عادلة"، ومشيراً إلى عمليات استهداف مسؤولين إيرانيين وانتهاك سيادة الدول بوصفها أمثلة، بحسب موقف طهران، على تراجع الضوابط التي يفرضها القانون الدولي. وتوقف عراقجي عند حادثة مدرسة ميناب، مشيراً إلى سقوط 168 تلميذاً وفق الرواية الإيرانية، ومشدداً على أن ضحايا الحروب "ليسوا مجرد أرقام". وكانت بعثة تقصي حقائق مدعومة من الأمم المتحدة قد قالت هذا الأسبوع إن لديها "أسباباً معقولة" للاعتقاد بوقوع جرائم حرب في ضربتين أميركيتين داخل إيران، إحداهما طالت مدرسة في ميناب، فيما رفضت واشنطن استنتاجات البعثة. ورأى وزير الخارجية الإيراني أن تجاهل القانون الدولي عندما تتعارض قواعده مع مصالح القوى الكبرى يقوّض مفهوم سيادة القانون، كما حذّر من تطبيق حقوق الإنسان والمساءلة الدولية بصورة انتقائية. وفي المقابل، شدد على أن الحل لا يكمن في التخلي عن التعددية، بل في بناء نظام متعدد الأطراف وصفه بـ"الحقيقي والفعال والعادل"، يقوم على الانتقال من العسكرة إلى التنمية المستدامة، ومن التدخل إلى احترام سيادة الدول، ومن الحروب المستمرة إلى السلام. وفي رسالته الأبرز بشأن المنطقة، قال عراقجي إن "الأمن المستدام لا يمكن فرضه من خارج المنطقة"، مؤكداً أن دولها يجب أن تكون قادرة على الحوار بشأن أمنها واستقرارها وتنميتها ومستقبلها المشترك والتوصل إلى حلول من دون تدخل خارجي. وأكد أن طهران ترى أن الأمن المستدام يتحقق عبر الحوار وبناء الثقة والتعاون والاحترام المتبادل بين دول المنطقة، وليس عبر الوجود العسكري للقوى الأجنبية أو فرض إرادتها. وختم عراقجي بالتأكيد أن المجتمع الدولي، من وجهة نظره، يقف أمام خيار بين استمرار العسكرة والتدخل والمواجهة، أو إعادة التنمية وكرامة الإنسان والعدالة والقانون الدولي إلى صدارة الأولويات، قائلاً إن وقت هذا التحول "ليس غداً ولا في مستقبل مجهول، بل الآن". وفي الخلفية، تأتي مواقف عراقجي وسط توترات إقليمية متواصلة أعقبت المواجهة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، وفي وقت تكثّف طهران طرحها الداعي إلى ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة وتقليص الاعتماد على الوجود العسكري الخارجي. كما تواصل إيران الدفع بخطاب يربط الاستقرار الإقليمي بالحوار والتنمية والتعاون بين دول الشرق الأوسط.