قرأت باهتمام مقال الأستاذ جان عزيز بعنوان "لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صحة موقف "حزب الله"". وإذا كان هذا الطرح يعكس جزءًا من التفكير الاستشاري المحيط برئاسة الجمهورية، فهو يستحق نقاشًا جديًا، لأن المسألة لا تتعلق فقط بترتيب خطوات بين لبنان وإسرائيل، بل بالسؤال الأكبر: أي لبنان نريد بناءه بعد هذه الحرب؟ ولكن قبل أن أبدأ بمناقشة الأفكار الواردة في المقال المذكور، أود أن أتوقف عند عنوانه: "لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صحة موقف "حزب الله""، لأن لدي ملاحظتين أساسيتين على هذا العنوان. أولًا، العنوان يتحدث عن "اتفاق السلام مع لبنان"، من دون أن يوضح السلام مع مَن؟ وهذا ليس تفصيلًا لغويًا بسيطًا، بل سؤال جوهري، لأن تحديد أطراف الاتفاق يجب أن يكون في صلب أي نقاش جدي حوله. ثانيًا، أعتقد أن المشكلة تبدأ من الإطار الذي يضع فيه العنوان المسألة، إذ يحوّل النقاش إلى سؤال عمّا إذا كان الاتفاق سيُثبت صحة موقف "حزب الله" أو عدم صحته. صحيح أنني أرى أن "حزب الله" أخطأ في خياره الاستراتيجي، وفي وضع لبنان في موقع المواجهة والحرب خدمةً لأجندة محور إيران-"حزب الله"-أمل، لكن نجاح أي اتفاق مع إسرائيل لا ينبغي أن يُقاس بما إذا كان قد أثبت أن "حزب الله" كان على حق أو على خطأ. المعيار يجب أن يكون مختلفًا جذريًا: هل يساهم الاتفاق في استعادة سيادة لبنان، وتعزيز استقرار نظامه السياسي؟ فعندما نجعل "إثبات صحة موقف "حزب الله"" معيارًا، فإننا نبقي النقاش أسيرًا لحسابات المحور، بدلًا من نقله إلى السؤال الذي يجب أن يكون في صلب أي مقاربة وطنية: ما الذي يخدم لبنان، وكيف يمكن لهذا المسار أن يساعد في استعادة الدولة وبناء دولة قادرة على حماية سيادتها واستقرارها واتخاذ قراراتها بنفسها؟ ومن هذا المنطلق، أرى أن النقاش يجب ألا يكون حول من خرج على حق ومن خرج على خطأ، بل حول السلام المطروح، وشروطه، وما إذا كان المسار المقترح يقرّب لبنان من الدولة التي يحتاجها ويستحقها. أولًا: السيادة لا يمكن أن تنتظر الانسحاب يرى الكاتب أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل يشكّل أحد الشروط الأساسية التي تجعل إنهاء الدور العسكري ل"حزب الله" ممكنًا سياسيًا. بالطبع، استعادة كل شبر من الأراضي اللبنانية يجب أن تبقى هدفًا، لكن المشكلة تكمن في ترتيب العلاقة بين الانسحاب واستعادة السيادة. فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي الكامل هو المدخل إلى إنهاء الدور العسكري ل"حزب الله"، يبقى السؤال الأساسي: إذا انسحبت إسرائيل من الجنوب، مَن يضمن ألّا يعود "حزب الله" إلى المنطقة، وأن يعيد بناء بنيته العسكرية والأمنية فيها؟ فهذا السؤال لا يمكن تجاهله، ولا سيما أن التجربة وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب أظهرت أن الدولة لم تتمكن من نزع سلاح "حزب الله" أو تفكيك بنيته التحتية فضلًا عن أن هذه الإشكالية تجددت بصورة أكثر وضوحًا بعد حرب إسناد غزة. من الصعب، في البيئة الأمنية التي نشأت بعد 7 تشرين الأول، أن نتوقع من إسرائيل أن تقول: سننسحب أولًا، ثم ننتظر لنرى ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستنجح لاحقًا في معالجة سلاح "حزب الله". قد نرفض هذا المنطق، لكن لا يمكن أن نبني استراتيجية وطنية تتجاهل الطريقة التي يقرأ بها الطرف الآخر أمنه. أما الحل الأكثر واقعية، في رأيي، فهو اعتماد مسار متزامن ومتدرّج ومستقر ومستدام يبدأ بإعلان تعبئة عامة وحالة طوارئ وطنية، يترافق مع إعلان المناطق العسكرية تباعًا، وانتشار الجيش اللبناني تدريجيًا فيها وتسلمه الفعلي للمسؤوليات الأمنية. وبالتوازي، يجب العمل على تفكيك البنية العسكرية للمحور وللفصائل الفلسطينية، وضبط الحدود والمعابر، بما يعيد حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة. ومع إظهار قدرة الدولة والجيش على فرض هذه الضمانات الأمنية وحمايتها، يمكن أن يترافق المسار مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من الأراضي اللبنانية، عودة السكان إلى مناطقهم، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية، ضمن إطار يقوم على مبدأ خطوة مقابل خطوة، وصولًا إلى سيادة الدولة الكاملة على أراضيها. ثانيًا: علينا الحذر من تبنّي فرضية "حزب الله" الأساسية المقال يقول بصورة واضحة إن على الدولة أن تثبت أنها قادرة على توفير الحماية للبنان التي يقول "حزب الله" إن سلاحه يوفرها. وهنا لديّ اعتراض جوهري على منطق هذه المقاربة، لأنها قد تنقل النقاش إلى سردية "حزب الله" نفسه، عندما يدّعي أنه الأقدر على حماية لبنان. المشكلة الأساسية ليست في إثبات ما إذا كان سلاح "حزب الله" أكثر أو أقل قدرة على توفير الحماية، ولا في الدخول في منافسة عسكرية مع المحور لإثبات أن الدولة قادرة على أن تكون "مقاومة أفضل". فالسؤال الجوهري هو: من أعطى حزبًا سياسيًا الحق في أن يحدد مفهوم الأمن القومي للبنان؟ ومنحه حق تقرير متى تُفتح الجبهات، ومتى يدخل لبنان ح