جمعية الصداقة السورية اللبنانية للمرة الأولى منذ أن قامت الدولتان اللبنانية والسورية، هناك فرصة تاريخية لإصلاح العلاقة المعتلّة بين الشعبين، بما قد يفضي إلى تحقيق الاستقرار والازدهار لكليهما وعلى صعيد المنطقة، ويجعل من البلدين حلقة وصل مع أوروبا والعالم الخارجي. في ذلك مصلحة مشتركة لجميع اللبنانيين والسوريين، ومسؤولية نتحملها سوية لكتابة صفحة جديدة من تاريخنا، ـكشعبين صديقين في دولتين مستقلتين. في 2 تموز/يوليو 2026 زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بيروت في خطوة لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت منعطفاً، حاملاً معه دعوة سلّمها إلى الرئيس جوزاف عون ليزور دمشق، ومستكملاً خطوات أساسية بدأتها الحكومتان. فقد كان لبنان قد حلّ قبل ذلك بأشهر، في شباط/فبراير 2026، المجلس الأعلى اللبناني السوري الذي ظلّ ثلاثين عاماً أداةً لوصاية النظام السابق على لبنان. كما أبرم الطرفان اتفاقاً سُلّم بموجبه ثلاثمئة سجين سوري إلى دمشق، والتزمت العاصمتان أخيراً بترسيم حدودهما البرية والبحرية وأن تراجعا الاتفاقات التي وُقّعت زمن الاحتلال السوري للبنان، على أن يُتوَّج ذلك كلّه بقمةٍ تجمع رئيسي البلدين. كان سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة فرح وارتياح طال انتظارها عند غالبية السوريين واللبنانيين، غير أنّ الفرح في بيروت كما في دمشق لم يتحوّل مباشرة لإندفاع نحو بناء علاقة ثنائية جديدة، فلا تزال هذه العلاقة تُرسَم على مهل، خطوةً إثر خطوة، وكأنها تتحسّس طريقها. الحكومتان حذرتان لأسباب وجيهة، فبين البلدين تاريخ ثقيل من ذاكرة الاحتلال السوري للبنان، إلى مسؤولية النظام السابق في الاغتيالات السياسية--وأهمها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري--ومن ضلوع حزب الله في مقتل عشرات آلاف السوريين وتهجيرهم إلى ملفّ اللاجئين السوريين في لبنان. كلّها عقبات سياسية وتقنية تعوق إرادة البناء بين الطرفين. ويضاف إليها لفيف العوامل الخارجة عن سيطرة دمشق وبيروت، من احتلال وتهديد إسرائيلي دائم، ومن دور إيراني يزعزع الاستقرار عبر الوجود المسلّح لحزب الله في منطقة البقاع، على امتداد الحدود بين البلدين. علاوةً على ذلك، فإن العلاقات بين البلدين وشعبيهما لا يمكن أن يُعاد بناءها فقط بجهودٍ ومراسيم حكومية--رغم أن الإرادة السياسية المعلنة اليوم تفتح نافذة فريدة من نوعها--وإنما تُبنى بين المجتمعات التي ينبغي أن تتعرف على بعضها بعضاً بعيداً عن الصور النمطية والمغالطات التاريخية، وأن تتحدّث إلى بعضها بعضاً. فالإرادة السياسية للحكومتين لا تجد اليوم من يلتفّ حولها سياسياً و شعبياً، مما يكشف هشاشة المسار، إذ إنّ ما توقّعه حكومة قد تنقضه حكومة تخلفها، وقد يكفي حادث حدودي واحد ليعرقل الجهود الرامية إلى إصلاح العلاقة، في حين لا يزال الرأي العام في البلدين باستثناء أصوات قليلة، يتأرجح بين الريبة واللامبالاة. أمامنا، ربما للمرة الأولى منذ قامت الدولتان، فرصة لنبني علاقة تخدم الشعبين وتحميهما وتؤمن لكليهما الاستقرار والازدهار، وتجعل من البلدين حلقة وصل مع أوروبا و العالم. فماذا يلزم إذن لتصمد هذه العلاقة؟ يلزمها أن ترسو في مصالح يشترك فيها الناس على طرفي الحدود، وأن تستمدّ حيويتها من الإرث الثقافي والتاريخي المشترك، وأن تكتسب مناعتها من عمل صبور على الذاكرة والمصالحة. وهذا ما نريد أن نسهم فيه، على قدر طاقتنا،من خلال "جمعية الصداقة السورية اللبنانية"، التي أسسناها حديثاً. نريد أن يعاود المجتمعان التعارف بين بعضهما البعض عبر تبادلات ثقافية وفنية وجامعية حيّة، بعيداً عن ما شوّهه تاريخٌ من العنف والأنظمة السياسية والايديولوجيات المنحرفة. نريد العمل على مواجهة حملات التضليل الإعلامي والتحريض الذي تغزو الشاشات على أنواعها في البلدين، وتحركه في أغلب الأحيان أجندات سياسية، منذ سنوات. لا بد من مواجهة ذلك عبر نسج رواية جديدة عن العلاقة بين لبنان وسوريا. ونريد أخيراً أن نعمل على الذاكرة الجمعية، فالجراح لا تزال مفتوحة عند عائلات كثيرة هنا وهناك، تحتاج لمساحات للتعبير عن ألمها والمطالبة بالعدالة من أجل فتح صفحة جديدة. المهمة صعبة، فعلينا أن نفكّك ما خلّفه نصف قرن من الزمن، حيث ظلّت دعاية النظام السوري السابق تردّد أننا «شعب واحد في دولتين» لتبرّر قبضتها على لبنان، وكان ما خفي من أضرار ألحقتها هذه الدعاية هو أطولها عمراً، حتى أنها جعلت شعبينا يرتابان مما هو مشترك، مع أنّ ما نشترك فيه لا يملك تشويهه من أساؤوا استعماله. نحن نتقاسم لغة واحدة، ومطبخاً واحدة ونكتةً نضحك لها معاً. نتقاسم ذاكرة نريد أن ننظر إليها معاً لا أن يشهرها أحدنا في وجه الآخر، ونريد مستقبلاً نبنيه لخدمة شعبين تواقين إلى الحرية والكرامة والحداثة. هذه فرصتنا ومسؤوليتنا جميعاً، لأن نكتب تاريخاً جديداً، لشعبين صديقين في دولتي