لم تكن المقابلات التي ظهر فيها كلوفيس الشويفاتي وفادي الشاماتي وريمون ناضر مجرد “نوستالجيا” حربية عابرة. كانت، بحسب قراءة كثيرين داخل الأوساط القواتية نفسها، لحظة كاشفة: ثلاثة رجال حملوا السلاح في أحلك سنوات الحرب، دخل بعضهم السجن، ولم يحد أي منهم يوماً عن الخط السيادي المستقل الذي ناضلوا لأجله، ظهروا أمام الشاشة ليتحدثوا، لا عن السياسة، بل عن تجربتهم الإنسانية والروحية، وعن مراجعة صادقة لحرب الإلغاء التي مزّقت البيت المسيحي الواحد. لم يهاجم أي منهم سمير جعجع بالاسم. لم يوجّه أحدهم اتهاماً مباشراً إلى “الحكيم”. لكن الصمت الذي أحاط اسم جعجع في كلامهم كان أبلغ من أي هجوم: هؤلاء الرجال أجروا مراجعتهم النقدية للحرب بين المسيحيين بمفردهم، خارج المؤسسة، بينما بقي رئيس “القوات”، الذي عاش تلك الحرب قائداً ميدانياً، بلا كلمة ندم معلنة عنها حتى اليوم. بحسب ما وثّقته التعليقات على عدة منشورات قواتية بارزة، انطلقت حملة تخوين ضد الثلاثة، قادها ما وصفه عدد من المعلقين بـ”الجيش الإلكتروني” المعروف بأسمائه داخل الأوساط الرقمية للحزب. إيلي وردة كان أول من أطلق الشرارة بمنشوره الذي اختصر موقفه بمثل شعبي قاسٍ: “فكرنا الباشا باشا.. طلع الباشا زلمي”. تبعه ليبا عواد بلهجة أكثر حدة، معتبراً أن كل من “يساوي بين البطل والخائن… لا يستحق شرف الانتماء للقوات”. وأكدت أولغا جعجع تأييدها لكلام وردة. لكن المفاجأة، بحسب قراءة كثيرين، أن هذه الحملة لم تلقَ التجاوب المتوقع من القاعدة الشعبية. فقد جاء الرد الشعبي معاكساً تماماً لما أراده منظمو الحملة. فهد ديراني كتب: “نحنا اللي آمنا بالحرية، ما لازم نقمع أو نهين رفيق لأنو اختار يعرّف عن حالو بطريقة مختلفة”. وفادي مطر تساءل بصراحة: “وين مشكلتو ريمون؟ إذا بعدو بنفس القناعات الوطنية بس بغير أسلوب… ما فينا نتحول لمتلقّي نشرة تلقينية على طريقة البراڤدا”، في إشارة مباشرة وصريحة إلى ثقافة الطاعة الحزبية العمياء. أما جورج عازار فذهب أبعد، محذراً من أن الحزب يتحول إلى نسخة من الأنظمة التي يفترض أنه يعارضها: “بتصرعونا بلبنان الحرية… وبس حدا يدق بصورة الزعيم الأوحد بتصيروا ألعن من البعث”. وحين طالب أحد الضباط القدامى المستبعدين هو الآخر جورج العلم، منتقدي ناضر والشاماتي بأن يراجعوا ما قاله الرفاق القدامى، بدل الاكتفاء بالتخوين العام من دون دليل، جاءت أغلبية التعليقات على منشوره مؤيدة له، لا لأن الجمهور القواتي “أعمى” كما يحلو للبعض تصويره، بل لأنه، ببساطة، جمهور يعرف تاريخ هؤلاء الرجال شخصياً ولا يرى فيهم خونة. وقال العلم: “بماذا أجرم ريمون ناضر… لنحاكمه ونجرده من ماضيه ومستقبله وإيمانه أيضاً؟” أما الصحافي القواتي جورج حايك، فقد حاول تكريس نموذج “الوفاء الصامت” عبر تمجيد بول عنداري في معرض انتقاده لرفاقه السابقين، وقد اضطر لاحقاً، في معرض سجال على فايسبوك، إلى الاعتراف صراحة بأن “نقمة الرفاق موجّهة أساساً ضد بعض القواتيين القدامى” بسبب “قلة وفائهم”، كاشفاً أن نظرية “المؤامرة الإعلامية” التي رددها كثيرون لم تكن سوى غطاء لخلاف داخلي حقيقي حول أشخاص بعينهم. هذا الانقلاب في مزاج القاعدة الشعبية يطرح السؤال الأهم: لماذا أُطلقت الحملة أصلاً على رجال لم يهاجموا أحداً؟ القراءة التي باتت تتردد بقوة داخل الأوساط القواتية نفسها تذهب إلى أن المشكلة ليست فيما قاله كلوفيس الشويفاتي أو فادي الشاماتي أو ريمون ناضر عن أنفسهم، بل في ما جسّدوه بحضورهم: نموذج القيادي القواتي الذي حارب، ثم راجع نفسه، ثم تصالح مع ماضيه علناً، من دون أن يحتاج إلى إذن من “الحكيم” ليفعل ذلك. في هذه المقابلات، ظهر أمام الجمهور القواتي أن المراجعة والمصالحة والتوبة ممكنة وصادقة وشجاعة، بينما بقي سمير جعجع، القائد الذي أدار تلك الحرب فعلياً ولم يكن مجرد منفّذ فيها، صامتاً عن أي مراجعة نقدية معلنة لحرب الإلغاء بين المسيحيين. وهذا ما يفسّر، بحسب هذه القراءة، حدّة رد الفعل: المقابلات لم تُحرج جعجع بهجوم مباشر عليه، بل أحرجته بالمقارنة الصامتة. الأخطر من حادثة إعلامية عابرة هو ما كشفته عن بنية الحزب نفسه. فـ”القوات اللبنانية” اليوم، بعد 21 سنة على خروج سمير جعجع من السجن، تكاد تخلو من أي قيادة صف ثانٍ أو ثالث مستقلة عن العائلة الحاكمة للحزب. فمنذ خروجه من الحرب، استُبعد قياديون ميدانيون بارزون أمثال غسان توما وراجي عبدو، وفُهم حينها أن الأمر جزء من محاولة بناء حزب سياسي بعيد عن الطابع العسكري والأمني، رغم أن جعجع نفسه كان الآمر الناهي الفعلي في تلك المرحلة، وليس مجرد شاهد عليها. لكن الاستبعاد لم يتوقف عند جيل الحرب. فقياديون ناضلوا ونشطوا خلال سنوات اعتقال جعجع نفسه، مثل فادي الشاماتي ومجموعة إيليج كاملة، وسلمان سماحة وريشار جريصاتي، وجدوا أنفسهم لاحقاً خارج د