بعدما بدا الاقتصاد اللبناني، للمرة الأولى منذ سنوات، وكأنه بدأ يخطو خطوات حذرة نحو التعافي خلال عام 2025، انقلبت الصورة خلال أشهر معدودة، فالتوقعات التي كانت تتحدث عن نمو يقترب من 4 بالمئة تحولت إلى تحذيرات من انكماش حاد، في مؤشر جديد على أن لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من أسوأ انهيار مالي في تاريخه الحديث، يواجه اختبارا جديدا كاد يعيده إلى نقطة الصفر. وتوقع صندوق النقد الدولي، الجمعة، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشا كبيرا في 2026، في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط واتساع نطاق التوتر الأمني في المنطقة، بما يلحق أضراراً بالنشاط الاقتصادي والبنية التحتية وظروف المعيشة. وقال الصندوق، بحسب ما نقلته "رويترز"، إن معدلات التضخم لا تزال في خانة العشرات، بينما ازداد عجز المعاملات الجارية في البلاد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع تكاليف الطاقة. وفي الوقت نفسه، فاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وحالات النزوح الداخلي، وتدهور مستويات المعيشة، الضغوط الاقتصادية القائمة. وفي ختام زيارة بعثته إلى بيروت بين 15 و18 سبتمبر/ أيلول، برئاسة إرنستو راميريز ريغو، أشار الصندوق إلى أن السلطات اللبنانية تمكنت من الحفاظ على قدر من الاستقرار عبر اتباع سياسات مالية ونقدية حذرة. لكنه دعا في المقابل إلى استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل بهدف استعادة استدامة الدين والمالية العامة. وقال راميريز إن الصراع بين حزب الله ودولة الاحتلال الإسرائيلي والتطورات الأمنية الإقليمية "ألحقا مجددا أضرارا كبيرة بالاقتصاد اللبناني وظروف المعيشة". وأضاف أن النشاط الاقتصادي "من المتوقع أن ينكمش بشكل كبير" خلال العام الحالي، في وقت ظل فيه التضخم في خانة العشرات واتسع عجز الحساب الجاري، مدفوعاً بصورة رئيسية بارتفاع تكاليف الطاقة. كما أشار إلى أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية والمساكن، إلى جانب نزوح داخلي واسع وتدهور ملحوظ في مستويات معيشة النازحين. إصلاح القطاع المصرفي واسترداد الودائع على مستوى القطاع المالي، رحب صندوق النقد بإقرار تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تقدماً مهماً في استراتيجية إعادة هيكلة القطاع المصرفي. ووصف الصندوق الإطار المعدل بأنه يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، ويوفر آلية فعالة ومنظمة لمعالجة أوضاع المصارف وتصفيتها. لكنه رأى في الوقت نفسه أن استكمال أجندة إصلاح القطاع يتطلب إدخال تعديلات إضافية على مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، بما يتوافق مع المعايير الدولية. وفي هذا الإطار، شددت بعثة الصندوق على ضرورة احترام تسلسل تحمّل الخسائر، بحيث لا يتحمل المودعون خسائر قبل المساهمين والدائنين من الدرجة الأدنى، مؤكدة أهمية أن تؤدي عملية إعادة الهيكلة إلى قطاع مصرفي سليم ومستدام يحمي الاستدامة المالية والمالية العامة. كما دعا الصندوق إلى أن تكون مقترحات سداد الودائع متسقة مع قدرة القطاع المصرفي على الاستمرار ومع استدامة الدين العام. ضغوط إضافية على المالية العامة وبالتوازي مع إصلاح القطاع المصرفي، أشار الصندوق إلى أن السلطات اللبنانية حافظت على انضباط في تنفيذ الموازنة رغم قيود التمويل، مرحباً بمشروع موازنة 2027 الذي يستهدف وضعاً متوازناً ويتضمن إجراءات لتعزيز الامتثال الضريبي. غير أن زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12 في المائة، التي أقرها مجلس الوزراء وكان من المقرر استخدامها لتمويل زيادة رواتب وأجور القطاع العام والمعاشات التقاعدية التي أقرت في فبراير/شباط 2026، لم تدخل حيز التنفيذ بعد. وحذر الصندوق من أن تكاليف الموظفين المرتبطة بهذه الزيادات ستضيف ضغوطاً كبيرة على الإنفاق خلال الفترة المقبلة، وحث السلطات على استكمال الإجراءات التشريعية اللازمة لتطبيق زيادة ضريبة القيمة المضافة. كما دعا إلى إدراج جميع النفقات الممولة من الخارج بصورة شاملة في موازنة 2027، وإعطاء الأولوية لدعم النازحين داخليا، إلى جانب إتاحة مساحة أكبر للإنفاق الرأسمالي. وفي السياق نفسه، حذر الصندوق من إجراء تعديلات إضافية ومؤقتة على الرواتب والمعاشات من دون اتخاذ إجراءات مقابلة لزيادة الإيرادات، موصياً بإدراج أي زيادات مستقبلية ضمن إطار مالي شامل. إطار مالي متوسط الأجل لاستعادة الاستدامة وفي مسار موازٍ للإصلاحات المالية، أشاد صندوق النقد بالتقدم المحرز في إعداد إطار مالي متوسط الأجل، موضحاً أن بعثته أحرزت تقدماً مع السلطات في تطويره، مع استمرار الحاجة إلى مزيد من العمل بشأن ترتيب وتوقيت الإجراءات المالية ودمج احتياجات الإنفاق الرأسمالي والاجتماعي. ويرى الصندوق أن اعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتمتع بالمصداقية سيكون ضروريا لتثبيت الموازنات السنوية، واستعادة الاستدامة المالية، وإيجاد مس