لطالما ارتبطت صورة المرأة العزباء بالوحدة وانتظار الشخص المناسب، كأنَّ الزواج هو المحطّة التي تكتمل عندها الحياة. لكنَّ أبحاثاً حديثة تُقدّم صورة مختلفة، إذ تُشير إلى أنَّ كثيرات من النساء اللّواتي يعشنََ بمفردهنَّ يشعرنَ بالرضا والاستقلال ولا يعتبرنَ الارتباط شرطاً أساسياً للسعادة. تعكس الأرقام هذا التحوّل، فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأميركي وتوقّعات "مورغان ستانلي"، يُتوقّع أن تصل نسبة غير المتزوجات بين 25 و44 عاماً إلى 45% عام 2030 مقارنةً بـ41% عام 2018. كذلك ارتفع متوسّط سنّ الزواج الأوّل للنساء في الولايات المتّحدة من 20.5 عاماً عام 1947 إلى 28.6 عاماً عام 2021. يرتبط ذلك بتوسّع فرص التعليم والعمل، الاستقلالية المادية والتغيّرات الاجتماعية والقانونية التي جعلت الزواج أقلّ ضرورة لبناء حياة مستقرّة. ترى عالمة الاجتماع بيلا دي باولو أنَّ العيش منفردة أصبح أسهل بفضل الخدمات والتكنولوجيا، فيما لم يعد الشريك المصدر الوحيد للدعم الاجتماعي والعاطفي. فالصداقات، العائلة ووسائل التواصل الاجتماعي تُوفّر شبكات دعم واسعة حتى لمن تعيش وحدها. لكنَّ عالم المواعدة لا يبدو بالسهولة نفسها، فنساء كثيرات يصفنَ تطبيقات التعارف بأنَّها مربكة ومحطِّمة للتوقّعات مع كثرة الاتصالات السطحية وصعوبة العثور على شريك يُشاركهنَّ القيم والتطلّعات. وتوضح المعالجة النفسية ليا أغيري أنَّ كثيرات منهنَّ يبحثنَ عن علاقة تقوم على الاحترام، التوازن والتبادل العاطفي لا مجرّد وجود شخص قريب. تدعم الأبحاث هذا التحوّل في النظرة، فقد أظهرت دراسة شملت نحو 6 آلاف عازب حول العالم أنَّ العازبات سجّلنَ مستويات أعلى من الرجال العازبين في الرضا عن الحياة والحالة العاطفية، مع رغبة أقلّ في العثور على حبيب. كذلك بيّنت دراسات أخرى أنَّ بعض اللّواتي اخترنَ عدم الزواج أو الإنجاب، يجدنَ في الخصوصية والمساحة الشخصية دعماً لرفاههنَّ النفسي. في دراسة من جامعة تورنتو عام 2023، ارتبط انخفاض الرغبة بالارتباط بمستويات أعلى من الرضا لدى النساء العازبات في منتصف العمر. لا تخلو الحياة المنفردة من الكلفة، فالمرأة العزباء تتحمّل السكن، الفواتير والتأمين بمفردها، كما أنَّ بعض الأنظمة الاجتماعية والقانونية لا يزال تمنح المتزوجين مزايا أكبر. لكن بالنسبة إلى كثيرات تبقى المكاسب واضحة: حرّية أكبر ووقت لتأسيس حياة وفق احتياجاتهنَّ. ربّما يكون الدرس الأهم أنَّ قيمة المرأة لا تُختصر بكونها زوجة أو أماً وأنَّ الحياة المكتملة تُبنى بتفاصيل أخرى.