اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان جولة من اللقاءات التي شملت مختلف قطاعات الاقتصاد اللبناني، وتعمل البعثة على بلورة إطار مالي محدد الأجل بخمس سنوات، وهو مشروع يضع المالية العامة في لبنان أمام مرحلة جديدة من الإنفاق وتحديد الإيرادات. ويأتي ذلك بالتوازي مع البحث في كيفية استخدام الفوائض المالية المحتملة لسداد مستحقات الدولة، وإعادة الإعمار، وصولاً إلى إطلاق مسار هيكلة الدين العام والتفاوض مع الدائنين. ويقول مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، الدكتور باتريك مارديني، إن البعثة تستهدف من خلال وضع إطار مالي متوسط الأجل لخمس سنوات تمكين لبنان من تحديد حجم نفقاته وإيراداته مسبقاً، بما يساعده على معرفة حجم الفوائض المحتملة وتوجيهها نحو سداد متوجبات الدولة، وإعادة الإعمار، وبدء مسار إعادة هيكلة الدين العام والتفاوض مع الدائنين. ويضيف مارديني، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الحكومة اللبنانية ستعطي الأولوية للرواتب والأجور والانتفاعات الاجتماعية، وسط تراجع الدولة في تمويل مشاريع البنية التحتية، وبدء الاعتماد بصورة أكبر على القطاع الخاص، بالتوازي مع توحيد تصنيف الإنفاق الاجتماعي للحد من الهدر والتكرار وتحسين استهداف الفئات الأكثر احتياجاً. ويؤكد مارديني أن تعزيز الانضباط المالي خلال السنوات الخمس المقبلة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط الإنفاق وهيكلة القطاع العام، في ظل ارتفاع كلفة المنافع الاجتماعية والموظفين التي تشكل أكثر من 50% من مصاريف الدولة. وحول أهداف بعثة صندوق النقد من وضع إطار مالي لخمس سنوات، في لبنان، يقول مارديني إن المقصود هو أن يكون لدى لبنان توقع لحجم نفقاته خلال السنوات الخمس المقبلة، وإيرادات الدولة للفترة نفسها، وتكمن أهمية هذا التوقع في تمكين لبنان من معرفة ما إذا كان لديه فوائض، أو كيف يمكنه تحقيق فوائض في موازنته، بما يتيح له استخدامها لسداد متوجبات الدولة. والفوائض إجمالاً يحدث تنازع عليها بين الموظفين تلقائياً كل عام، إذ يريدون زيادات، وبين المودعين؛ لأن أي فائض يذهب إلى احتياطي المصرف المركزي، وإلى إعادة الإعمار. ويشير مارديني إلى "أمر يهم صندوق النقد كثيراً، وهو البدء بإعادة هيكلة الدين العام، خصوصاً أن لبنان تأخر في ذلك، ومع توقع فائض للسنوات الخمس المقبلة، يمكن البناء على هذا الفائض من أجل البدء بالتفاوض مع الدائنين وإعادة هيكلة الدين العام، وهذا من أبرز أهداف صندوق النقد الدولي". ويرى أن أولويات لبنان تنحصر اليوم في الرواتب والأجور، والانتفاعات الاجتماعية المرتبطة بهما، ويقول إن الحكومة اللبنانية لا تزال متوقفة عن دفع ديون "اليورو بوند" لأن الدين بالعملة الأجنبية، إلى جانب أنه لم يعد هناك توجه لتمويل أي مشاريع بنية تحتية، والأهم أن يصبح التوجه العام في الاعتماد على القطاع الخاص في تطوير البنى التحتية. بالإضافة إلى ذلك، لا تملك الحكومة اللبنانية الأموال اللازمة لتنفيذ المشاريع المتعثرة أو الملغاة، وبالتالي يجب السماح للقطاع الخاص بتحديد أولويات المشاريع التي سينفذها، بحسب رغبات المجتمع وطلباته وحاجاته، سواء في قطاع الطاقة أو الكهرباء أو الاتصالات وغيرها. وحول توحيد تصنيف الإنفاق الاجتماعي، وما إذا كان يشكل خطوة نحو إعادة توجيه الدعم والموارد، يقول مارديني إنه من الضروري توحيد تصنيف الإنفاق الاجتماعي؛ لتفادي الهدر وتوسيع قاعدة البيانات وتوزيع الموارد بالشكل العادل، بما يسمح باستهداف أوسع عن طريق الحد من التكرار. أما عن إصلاح إعداد الموازنة ومعالجة المتأخرات وإدخال التمويل الخارجي ضمن الموازنة، وإلى أي مدى يمكن أن تؤدي إلى تعزيز الشفافية والانضباط المالي خلال السنوات الخمس المقبلة، فيقول مارديني إن أهم ما يتعلق بموضوع الموازنة هو أن الحكومة اللبنانية في المرحلة المقبلة تستطيع ضبط إنفاقها، وبالتالي عبثاً تحاول الحكومة الإصلاح من دون هيكلة القطاع العام. وأضاف أن الحديث عن إعداد الموازنة والشفافية أمور مهمة، ولكن الأساس يتعلق بالانضباط المالي للسنوات الخمس المقبلة، عبر تسريح نصف موظفي الدولة الذين يشكلون، ما بين معاشات ومنافع اجتماعية، أكثر من 50% من مصاريف الدولة. وتابع قائلاً إن المعدل العالمي في البلدان الأخرى هو 25%، وبالتالي يجب تخفيض كلفة الموظفين من 50% في الموازنة؛ لأن هناك فائضاً في عدد الموظفين، وبتسريح غير المنتجين تتم معالجة نحو 90% من المشاكل الاقتصادية.