دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدا، بات معها البحث الدولي يتصل مباشرة بمستقبل الدولة وسيادتها وأمنها، وبكيفية التعامل مع تصعيد إسرائيلي مستمر وصل يوم أمس الى درجة تهديد العدو للجيش اللبناني والطلب منه إخلاء نقطته عند أطراف دير ميماس وإلقاء قنابل صوتية باتجاه عناصره، إضافة الى إحراقه المستشفى الحكومي في بلدة ميس الجبل الجنوبية. لم تعد المرحلة تتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، بل أصبحت تتصل بمصير الجنوب بعد انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل”، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الدول الصديقة والشقيقة في حماية لبنان وردع إسرائيل، وبمدى استعداد المجتمع الدولي لممارسة الضغط على الولايات المتحدة لكي تمارس بدورها ضغطًا حقيقيًا على إسرائيل لوقف عدوانها، وهذا ما حاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون القيام به في مؤتمر باريس الذي تجاوز التحضير لمؤتمر دعم الجيش الى جمع الجهود السياسية والدبلوماسية العربية والغربية حول لبنان. في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الموقف الأميركي يشكل عقدة أساسية أمام أي مسار فعلي لدعم لبنان، فالولايات المتحدة تدعم عدوان إسرائيل على الجنوب، ولا تبدو راغبة في تسليح الجيش اللبناني بما يجعله قادرًا على مواجهة إسرائيل أو الدفاع عن أرضه، بقدر ما تريد أن يكون دعم الجيش جزءًا من مسار سياسي وأمني مرتبط بنزع سلاح “حزب الله”، وصولا الى مواجهته كما سبق وتحدث مبعوث الإدارة الأميركية توم باراك. وبذلك يجد لبنان نفسه أمام معضلة حقيقية، إما دعم الجيش ضمن شروط أميركية وإسرائيلية تفتح الباب أمام فتن داخلية، أو حجب الدعم عنه وترك المؤسسة العسكرية أمام تحدياتها المالية واللوجستية والأمنية. والتجارب السابقة لا تشجع على بناء الآمال على الدور الأميركي وحده في مؤتمرات دعم الجيش، فواشنطن لا تبدو مستعدة لتحمل الجزء الأكبر من الإنفاق، كما تربط أي دعم للبنان بتنفيذ ما تعتبره التزامات وشروطًا تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية. لذلك، فإن خيار الرئيس جوزاف عون توسيع شبكة الدعم العربية والأوروبية والدولية بات ضرورة لبنانية، لا مجرد خيار ديبلوماسي أو سياسي، وجاء تحركه في باريس الى جانب الرئيس إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني عبدالله الثاني ليؤكد أن لبنان قادر على إعادة بناء شبكة علاقاته الخارجية، والاستفادة من وجود دول عربية وأوروبية تنظر إلى استقراره باعتباره مصلحة مشتركة. ومن ضمن هذا التحرك، البحث الجدي في كيفية مواجهة إنتهاء مهمة قوات اليونيفيل في الجنوب ومنع تحويله إلى منطقة مفتوحة أمام الاحتلال الذي لا يريد أي قوة بديلة، ويسعى الى إستدراج الجيش اللبناني للتنسيق معه بما يشبه التطبيع العسكري. وهنا لا تقع المسؤولية على عاتق رئيس الجمهورية وحده، فلبنان يحتاج إلى حكومة حاضرة في المحافل الدولية، تحمل قضيته بكل عناصرها، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. ومن الطبيعي أن يحمل رئيس الحكومة نواف سلام قضية لبنان إلى الأمم المتحدة، كما يفعل رئيس الجمهورية، لكن ليس من الطبيعي أن يقاطع رئيس الحكومة اجتماعات مجلس الأمن في المرتين اللتين دعت إليهما فرنسا للبحث في قضية لبنان وعدم تكليفه وزير الخارجية بالمشاركة، والاكتفاء بالمندوب الدائم، الأمر الذي طرح علامات استفهام حول جدية حكومة لبنان في بذل الجهود الدبلوماسية لوقف العدوان الاسرائيلي. ومع ذلك، فأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا، وإذا كان نواف سلام قد غادر أمس إلى الأمم المتحدة، فعليه أن يذهب بصفته رئيسًا لحكومة كل لبنان، وأن يحمل القضية اللبنانية بمختلف جوانبها، لا أن يتحول الحضور الدولي إلى مناسبة للتحريض على جهة أو شريحة لبنانية، وهو النهج الذي ظهرت ملامحه بوضوح في جلسة مجلس النواب الأخيرة. أما الأكثر خطورة فيتمثل في الجانب الإسرائيلي، حيث تتداخل الحرب مع الحسابات السياسية الداخلية، فبنيامين نتنياهو لن يتخلى بسهولة عن سياسة التصعيد التي ينتهجها في لبنان والمنطقة، خصوصًا أن الانتخابات الإسرائيلية تقترب، وأن صورة القوة العسكرية تبقى عنصرًا أساسيًا في خطابه السياسي. وإذا وجد نتنياهو أن بإمكانه خوض الانتخابات والفوز فيها، فقد يواصل سياسة التصعيد المضبوط، من دون أن يذهب بالضرورة إلى حرب شاملة. أما إذا وجد أن حظوظه تتراجع وأن خطر سقوطه يزداد، فإن احتمال إعادة فتح الحرب على لبنان يبقى قائمًا، خصوصًا أن اندلاع حرب جديدة قد يوفر له ذريعة سياسية لتأجيل الانتخابات لمدة شهرين، وهو أمر يدخل ضمن صلاحيات رئيس الحكومة الإسرائيلية. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، في أن يتحول لبنان إلى ورقة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، وأن تصبح دماء اللبنانيين وركام منازلهم جزءًا من حملة نتنياهو الانتخابية. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من لبنان الرسمي أكثر من البيانات والمواقف، إضافة ا