بعد 6 أشهر على اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية، تتراكم الخسائر من دون تسوية نهائية، فيما تجاوزت تداعيات المواجهة الميدان العسكري إلى البرنامج النووي الإيراني وأسواق الطاقة والملاحة الدولية وموازين القوى في الشرق الأوسط، ليبقى السؤال مفتوحًا: ماذا حققت واشنطن وطهران، وماذا خسرتا؟ وتشير أحدث التقييمات إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية والمنشآت المرتبطة ببرنامجها النووي، لكنها لم تُنهِ قدرة طهران على شن الهجمات والاحتفاظ بإمكانات صاروخية. وتصف وكالة «رويترز» المشهد بأنه «جمود مكلف»، مع استمرار التداعيات العسكرية والاقتصادية وغياب تسوية تنهي المواجهة. ومنذ بداية الحرب، ارتبطت الاستراتيجية الأميركية بإضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وتدمير جزء من البنية العسكرية، وتقليص قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين. إلا أن الأشهر الـ6 أظهرت فجوة بين حجم الضربات والنتائج السياسية؛ فبعض الأهداف العسكرية تحقق، بينما بقيت أهداف أخرى موضع خلاف، خصوصًا ما يتصل بمنع إيران نهائيًا من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية. وفي هذا السياق، يرى أستاذ الأمن القومي والمسؤول السابق في البنتاغون، الدكتور جيمس راسل، في تصريحات لـ"العربية"، أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية الرئيسية، وفي مقدمتها الحد من البرنامج النووي الإيراني وتقليص القدرات الصاروخية ونفوذ حلفاء طهران، معتبرًا أن إيران احتفظت بأدوات أساسية للتأثير في معادلات المنطقة. لكن استمرار إيران في القتال لا يعني أنها خرجت من المواجهة من دون خسائر. فالضربات ألحقت أضرارًا كبيرة بقدراتها العسكرية، وطالت منظومات الدفاع الجوي والقوات البحرية والإمكانات الصاروخية، فيما تعرض اقتصادها لضغوط إضافية بفعل الحرب والعقوبات. وبحسب تقييمات أوردتها «رويترز»، لا تزال طهران، رغم هذه الأضرار، تحتفظ بقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تتيح لها مواصلة الهجمات. ولم تبقَ فاتورة الحرب محصورة بطرفيها، بل امتدت إلى قطاع الطاقة والتجارة والشحن، خصوصًا مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ويقدّر «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف» أن مستوردي الوقود الأحفوري دفعوا نحو 330 مليار دولار إضافية خلال الأشهر الـ6 الماضية، نتيجة ارتفاع تكاليف واردات النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال المرتبطة بأزمة المضيق. وقد تحوّل هرمز إلى إحدى أبرز أوراق الضغط في الحرب، بعدما انعكس اضطراب الملاحة عبره على إمدادات الطاقة العالمية وتكاليف النقل. ووفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، أصبحت إعادة فتح المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، هدفًا رئيسيًا للإدارة الأميركية مع استمرار المواجهة، بعدما انصبّ التركيز في بدايتها بدرجة أكبر على البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية. من جهته، يعتبر الكاتب والباحث في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور بشير عبد الفتاح، في تصريحات لـ"العربية"، أن إصدار حكم نهائي على الرابح والخاسر لا يزال مبكرًا، إذ يمتلك الطرفان أوراق ضغط، لكنهما تكبّدا خسائر أيضًا، فيما امتدت التداعيات إلى المجتمع الدولي عبر اضطراب أسعار النفط وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والملاحة. ويرى عبد الفتاح أن تغيّر أهداف الحرب أمر طبيعي مع إطالة أمد المواجهات وصعوبة تحقيق الأهداف الأولية. ويقول إن أهداف الإدارة الأميركية شملت في البداية إسقاط النظام الإيراني والقضاء على البرنامجين النووي والصاروخي، قبل أن يتحوّل مضيق هرمز إلى أولوية أكثر إلحاحًا. ومع انتقال المواجهة إلى العقوبات والاقتصاد، برزت الصين بوصفها طرفًا تتقاطع مصالحه مع الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، باعتبارها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. غير أن عبد الفتاح يستبعد تحوّل إيران إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين، معتبرًا أن حجم المصالح الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وبكين يجعل هذا الخيار مكلفًا للطرفين. ويشير إلى أن فرض عقوبات أميركية على أطراف صينية يخضع لحسابات اقتصادية معقدة، في ظل امتلاك بكين أوراق ضغط تجارية واستراتيجية، أبرزها سوق المعادن النادرة. ويلفت إلى أن الصين تمتلك، بحسب قوله، نحو 17 معدنًا تُستخدم في الصناعات العسكرية والتكنولوجية والدقيقة، ما قد يدفع الطرفين إلى تفاهمات واستثناءات تحدّ من تداعيات التصعيد. وفي المقابل، تحمّلت الولايات المتحدة كلفة عسكرية واستراتيجية، مع استهلاك العمليات كميات كبيرة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية، فضلًا عن تكاليف الانتشار العسكري والعمليات المستمرة. ويعتبر راسل أن الكلفة الاستراتيجية الأكبر لواشنطن تتمثل في تراجع قدرتها على فرض ترتيبات إقليمية من خارج المنطقة، مشيرًا إلى أن الحرب دفعت دول الشرق الأوسط إلى إعادة تقييم موازين