يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتزاع تنازلات من حلفائه وشركائه، لكن ضغوطه تمنحهم حافزاً لتقليل اعتمادهم على بلاده. من كندا التي تتجه إلى أوروبا، إلى الهند التي توسّع قنواتها مع الصين، تتجاوز تداعيات الرسوم الجمركية الخسائر التجارية لتطال حسابات الثقة والشراكة مع واشنطن. تختلف دوافع هذه الدول وحدود خياراتها، ويجمعها البحث عن هامش أوسع لحماية مصالحها من تقلّبات السياسة الأميركية. فإلى أيّ حد يمكن أن تتحوّل محاولات تقليل الاعتماد إلى تغيير في خريطة التحالفات؟ في كندا، أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة تاريخياً، اكتسب الخلاف مع الإدارة الأميركية بُعداً يتصل بالسيادة، مع حديث ترامب المتكرر عن جعلها "الولاية الـ51"، بالتزامن مع الرسوم الجمركية والحرب التجارية. وجاء التوجّه نحو أوروبا ضمن مساعي أوتاوا لتنويع علاقاتها الاقتصادية. وبلغ التقارب مستوى سياسياً لافتاً بعدما اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين منح كندا صفة أول "عضو منتسب" إلى الاتحاد الأوروبي. وهذه الصفة غير موجودة في هيكل الاتحاد الحالي، ما يجعل طرحها مبادرة سياسية تحتاج إلى تحديد مضمونها وآلياتها. أما رئيس الوزراء مارك كارني، فأوضح أن بلاده لا تسعى إلى العضوية، وتريد "تحالفاً فريداً" مع أوروبا. وتشمل مجالات التعاون المطروحة الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية، بما يوفّر أساساً عملياً لتوسيع الشراكة. مع ذلك، تبقى قدرة أوتاوا على ترجمة هذا التوجّه محدودة بعمق ارتباطها الاقتصادي والأمني بالولايات المتحدة، وبالتعقيدات الأوروبية نفسها. فالتعاون الإضافي يحتاج إلى اتفاقات وموافقات، فيما يمنح التقارب كندا خيارات تفاوضية أوسع من دون أن يتيح لها تعويض الشريك الأميركي سريعاً. الهند والصين تتقاربان بحسابات حذرة في آسيا، تأخذ الاستجابة للضغوط الأميركية مساراً مختلفاً. فـالهند، التي طوّرت شراكتها مع واشنطن على خلفية القلق المشترك من صعود الصين، تسعى أيضاً إلى تحسين علاقتها ببكين، وسط خلافات تجارية مع الإدارة الأميركية وضغوط مرتبطة بشرائها النفط الروسي. لهذا الانفتاح حدود تفرضها حرب عام 1962، والنزاع الحدودي، والاشتباك الدموي عام 2020، فضلاً عن التنافس على النفوذ في المحيط الهندي. وهذه الملفات تجعل أي تقارب خاضعاً لحسابات أمنية تتجاوز الخلافات مع ترامب. ويعود مسار التهدئة إلى اتفاق حدودي عام 2024، قبل عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض. وفي 12 أيلول/سبتمبر، بحث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ، على هامش قمة "بريكس" في نيودلهي، تعزيز الروابط التجارية والنقل، مع تأكيد أهمية الاستقرار الحدودي لتطوير العلاقات. في هذا السياق، يمكن فهم الضغوط الأميركية بوصفها عاملاً يعزّز مصلحة نيودلهي في تنويع خياراتها. فتحسين العلاقة مع الصين يوسّع هامش الحركة الهندي، ويمنح بكين فرصة لتخفيف اندفاع جارتها نحو شراكة أوثق مع الولايات المتحدة. أما انتقالهما إلى تحالف، فيبقى استنتاجاً يتجاوز ما تسمح به خلافاتهما القائمة. رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ، العام الماضي في تيانجين، (زوما برس). لا يعني ذلك ولادة تحالف صيني-هندي، فالخلافات بينهما أعمق من أن تختفي سريعاً. لكن التقارب يمنح نيودلهي خيارات أوسع بالنسبة لعلاقاتها مع واشنطن، فيما تستفيد بكين من إبعاد الهند عن الفلك الأميركي. وهنا تكمن المفارقة: سياسة ترامب التي تهدف إلى انتزاع تنازلات من الشركاء والخصوم على السواء، قد تدفع حلفاء واشنطن إلى التقارب في ما بينهم، وشركاءها إلى إعادة فتح قنوات مع منافسيها. يقول الدكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الحكمة والجامعة اللبنانية، نبيل الخوري لـ"النهار" إن "سياسة ترامب تتسبب بزرع الحذر بل الريبة لدى الحلفاء، وتسهم في تراجع ثقتهم بحليفهم الأميركي". لكن، بحسب الخوري، "بقدر ما تدفع تدابير ترامب ومبادراته بالحلفاء إلى الاعتقاد أن عليهم أن يعتادوا السير وحدهم من دون الولايات المتحدة في نظام دولي مضطرب وواقع عالمي محفوف بالمخاطر، يدركون أن العلاقة بين ضفتي الأطلسي، والديموقراطيات، لا تُختَزل بشخص الرئيس والسياسات العابرة التي تلحق الأذى، ولكنها لا تدمّر تعاوناً استراتيجياً وشراكة استراتيجية يسهم فيهما فاعلون كثر: السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، المؤسسات العسكرية والأمنية، الأجهزة البيروقراطية والمؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني. هذا في ما يتعلق بما يسمّى الغرب والحلفاء الغربيون". ويضيف: "أما بقية الحلفاء، أو بالأحرى الشركاء، من الجنوب العالمي، فهم أصلاً يتبعون سياسة تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على شريك قوي واحد، بغضّ النظر عن أهمية وحجم علاقاتهم بالولايات المتحدة على الأصعدة كافة". انطلاقاً من هذه الأ