كتب المحلل تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الاجتماع الدولي الذي استضافته باريس لدعم الجيش اللبناني لا يشكل سوى بداية لمسار طويل، مشيراً إلى أن استكمال هذا المسار سيرتبط إلى حد كبير بقدرة الدولة اللبنانية على إظهار فاعلية عملية في التعامل مع سلاح حزب الله. ورأى برئيل أن إسرائيل مطالبة بدورها بالانتقال من التركيز على الإنجازات التكتيكية إلى مسار سياسي واستراتيجي يتيح للدولة اللبنانية والجيش توسيع حضورهما في الجنوب. وبحسب "هآرتس"، جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون، قبيل توجهه إلى باريس، دعوته للتوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل ينهي حالة العداء بالتوازي مع حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة أن يتم ذلك من دون صدام داخلي، تجنباً لأي مواجهة مباشرة بين الجيش وحزب الله. ويشير برئيل إلى أن هذه المقاربة لا تتطابق مع الموقفين الإسرائيلي والأميركي، اللذين يضعان نزع سلاح حزب الله شرطاً مسبقاً قبل الانتقال إلى ملفات إعادة الإعمار والمساعدات وتعزيز الجيش. ونقل كاتب "هآرتس" أن عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل عرضا خلال اجتماع باريس احتياجات المؤسسة العسكرية، بما في ذلك تمويل يقدَّر بنحو مليار دولار سنوياً، والعديد اللازم لبسط السيطرة على الجنوب، وخطة العمل المزمع تنفيذها. كما تناولت المباحثات، وفق الصحيفة، آليات مراقبة تنفيذ "الاتفاق الإطاري"، ومشروع "المناطق التجريبية" التي يُفترض أن تنسحب منها إسرائيل تدريجياً لينتشر فيها الجيش اللبناني بدلاً منها. وأضافت "هآرتس" أن النقاشات تطرقت أيضاً إلى مستقبل الترتيبات الدولية في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة قوات اليونيفيل في كانون الأول المقبل، وسط فجوة واسعة بين الموقفين الإسرائيلي والأميركي من جهة، والموقفين اللبناني والفرنسي من جهة أخرى. ووفق برئيل، توجد اقتراحات لإنشاء قوة متعددة الجنسيات ذات غالبية أوروبية أبدت فرنسا وإيطاليا وبريطانيا استعداداً للمشاركة فيها، على أن تعمل كقوة مساندة للجيش اللبناني عبر التدريب والمراقبة، لا كقوة تتولى نزع سلاح حزب الله مباشرة. ونقل الكاتب عن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أن أكثر من عشر دول أبدت استعداداً للمشاركة، على أن يبحث الاتحاد الأوروبي الاقتراح الشهر المقبل. ويرى برئيل في تحليله بـ"هآرتس" أن اجتماع عوامل عدة - رغبة لبنان في دفع العملية السياسية، والدعم الأميركي، والانخراط الأوروبي والعربي، وتراجع قدرات حزب الله - كان يمكن أن يفتح الباب أمام جدول زمني أسرع، إلا أن التطورات السياسية الداخلية في إسرائيل، ولا سيما الاستحقاق الانتخابي، قد تؤخر الاستفادة من هذه الفرصة. وحذر الكاتب من أن استمرار العمليات العسكرية سعياً وراء إنجازات ميدانية إضافية قد يغيّر المعادلة السياسية قبل التوصل إلى ترتيبات طويلة الأمد. وفي هذا السياق، أشار محلل "هآرتس" إلى عدم رد حزب الله عسكرياً حتى الآن على تدمير مجمع علي الطاهر، وهو ما أثار بحسبه نقاشاً داخل إيران بين معارضي المسار التفاوضي مع واشنطن ومؤيديه. كما نقلت الصحيفة عن مصادر إسرائيلية وغربية أن التقديرات ترجّح عدم توجه إيران لإعادة فتح الجبهة اللبنانية حالياً، في ظل انشغالها بتطورات منطقة الخليج، وأن واشنطن أبلغت طهران بأن أي هجوم على إسرائيل سيقابَل برد أميركي شديد. ونقل برئيل عن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير قوله إن الدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله ضمن تفاهم مع الحكومة اللبنانية يتطلب أولاً تحسناً كبيراً في كفاءة الجيش اللبناني وقدرته على العمل ميدانياً. وعلى هذا الأساس، يرى كاتب "هآرتس" أن مطالبة إسرائيل للجيش اللبناني بأن يصبح القوة الأساسية في الجنوب يجب أن تترافق مع توفير الظروف التي تتيح له ذلك، بما في ذلك انسحاب إسرائيلي تدريجي، وترتيبات أمنية تمنح بيروت أفقاً واضحاً، من دون أن يظهر الجيش أمام اللبنانيين وكأنه ينفذ مطالب إسرائيلية. ويخلص برئيل في مقاله بـ"هآرتس" إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية مطالبة بتحويل تعهداتها بدعم الجيش وإعادة الإعمار إلى خطوات عملية، لا أن تبقى جميعها مشروطة بتنفيذ كامل بنود "الاتفاق الإطاري" مسبقاً. ويقر الكاتب بأن هذا المسار ينطوي على مخاطرة من الزاوية الإسرائيلية، لكنه يعتبر أن البديل هو استمرار الاحتلال وبقاء الدولة اللبنانية عاجزة عن بناء القوة اللازمة لتحل محل حزب الله في الجنوب. ويشدد برئيل على أن المسألة، بحسب تحليله في "هآرتس"، لا تتعلق فقط بمصير سلاح الحزب، بل أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة حضورها، وبدء إعادة الإعمار، وتعزيز مؤسساتها وسيادتها، وهو ما يقلّص تدريجياً مساحة النفوذ الإقليمي المتاحة أمام إيران في لبنان