بعلبك، المدينة التي تحمل في بطاقة هويتها آلاف السنين، ويفوح من حجارتها عبق التاريخ، ويحتضن قلبها واحدة من أعظم التحف الأثرية في العالم، تعيش اليوم منافسة شرسة على احتلال المشهد، بين حجارة معابدها وحاوياتها المُتخمة بالنفايات. مدينة الشمس، التي يفترض أن تكون واجهة لبنان السياحية والثقافية، تغرق في أكوام النفايات المُكّدسة في شوارعها وأحيائها، في مشهد مؤلم لا يليق بتاريخ المدينة ولا بصورة أهلها وزوارها. المشكلة ليست جديدة، لكنها تفاقمت في الفترة الأخيرة، وصارت أكثر وضوحاً وإزعاجاً. أكياس النفايات تتكدس في نقاط مختلفة، والروائح تنتشر، فيما يجد المواطن نفسه أمام مشهد يومي يثير الاستياء، خصوصاً أن بعلبك لا تعيش أزمة بيئية فحسب، بل أزمة صورة أيضاً. نائب رئيس بلدية بعلبك عبد الرحيم شلحة يشرح في حديث إلى "المدن" أن معالجة الملف ليست بالسهولة التي تبدو عليها من الخارج، مشيراً إلى أن "عمل معمل فرز النفايات يواجه صعوبات كبيرة، فيما تعاني البلدية ضعفاً في الإمكانات المالية واللوجستية التي تسمح لها بالتعامل مع حجم النفايات المتزايد". وبين القدرة المحدودة للبلدية والمشكلات التشغيلية التي تواجه معمل الفرز، تتراكم النفايات في الشوارع، ويجد المواطن نفسه في قلب المشكلة. لكن التبريرات رغم واقعيتها، لا تلغي مسؤولية البلدية في إيجاد حلول موقتة ودائمة. فالناشطة بهية صُلَح تقول ساخرة: "الحمد لله طمّونا بالزبالة والكلاب". وتؤكد أن المواطن "يدفع ما يستطيع من ضرائب ورسوم، رغم ما يعانيه من صعوبات اقتصادياً واجتماعياً، لكنه لا يستطيع أن يتحوّل إلى طرف متفهم دائم للأزمة، بينما النفايات أمام منزله أو متجره". الاستياء الشعبي يتزايد، والأسئلة تكبر: لماذا لا تُعالج المشكلة قبل وصولها إلى مرحلة التراكم؟ وهل المطلوب انتظار حلول مركزية فيما المدينة تدفع يومياً ثمن العجز؟ أزمة النفايات تعاني منها معظم البلديات، وباتت مشكلة شبه مستعصية، لكنها أكثر حساسية بالنسبة إلى بعلبك. فالمدينة التي ارتبط اسمها بمهرجانات بعلبك الدولية وبالحركة السياحية والثقافية، خرجت أصلاً من موسم صعب بعد إلغاء مهرجاناتها نتيجة الحرب. وإذا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان قد وجّهت ضربة قاسية إلى السياحة بشكل عام، فإن استمرار المشهد البيئي المتردي في بعلبك يهدد بإطالة أمد الضرر. فالسائح لا يرى معبد جوبيتر وحده، ولا القلعة وأعمدتها السبعة فقط، بل يرى الطريق إليهما والمدينة المحيطة بهما، من نظافة الشوارع إلى طريقة استقبال الزائرين والترحاب بهم. بعلبك التي رسمها طلال حيدر بأجمل الشعر، وخلّد الرحابنة سحرها في وجدان اللبنانيين، وصدحت في فضائها صلوات فيروز، واستقبلت كوكب الشرق أم كلثوم وأكبر الفرق العالمية، يقول مطربها وشاعرها التراثي علي حليحل: "بعلبك ليست ملكاً لبلديتها وحدها، ولا لأهلها وحدهم. إنها جزء من ذاكرة لبنان وصورته أمام العالم". ومن غير المقبول أن تنافس أكوام النفايات أعمدة معابدها على جذب الأنظار. مدينة الشمس تحتاج إلى أكثر من مهرجان كي تستعيد عافيتها. تحتاج إلى إدارة محلية قادرة، وإمكانات حقيقية، ودعم رسمي، وخطة مستدامة للنفايات. والأهم أنها تحتاج إلى تعامل الجميع مع نظافتها باعتبارها مسؤولية وطنية، لا مجرد ملف بلدي مؤجل. فبعلبك التي صمدت آلاف السنين أمام الحروب والزلازل والتحولات، تستحق أن تواجه النفايات أيضاً، قبل أن تحجب أكوامها نور شمسها، وتصبح عنواناً جديداً للمدينة.