من صور "مهرجانات بعلبك" (الخدمة الصحافية) ماذا يعني تكريم "مهرجانات بعلبك الدولية" والاحتفال مرة ثانية بمرور 70 عامًا على انطلاقتها في "الجامعة الأميركية في بيروت"، بعد محطة أولى في "مهرجانات عجلتون الدولية"؟ قد يكون الجواب العفوي أن الغالبية يسكنها شعور بالنوستالجيا إلى أدراج معبدَي باخوس وجوبيتر في قلعة بعلبك ومهرجاناتها، وقد بدا ذلك خلال متابعة وقائع "أسبوع مهرجانات بعلبك"، من 14 إلى 19 أيلول الجاري ضمنًا، في "الجامعة الأميركية في بيروت". في المقابل، يُعتبر الغياب القسري للمهرجانات هذا الصيف، بسبب الوضع الأمني الطارئ في لبنان، أمرًا عاديًا لدى المنجرفين وراء الحفلات الصاخبة بأصوات فنانين يعززون، بكلمات أغانيهم، المشاعر الدافئة لدى جمهورهم. افتُتح هذا الأسبوع، الذي نظمته الجامعة و "برنامج زكي ناصيف للموسيقى" فيها بالتعاون مع المهرجانات نفسها، بمعرض توثيقي بعنوان "بعلبك: سبعون عامًا من الضوء، الموسيقى والتراث"، يستمر إلى 14 تشرين الثاني 2026 في "مكتبة يافث التذكارية" في "الجامعة الأميركية"، من الإثنين إلى الجمعة، من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً. ويضم محطات فنية متفرقة من الغناء والرقص والمسرح، من الزمن الجميل قبل الحرب المجنونة في لبنان وما بعدها. وأشارت مديرة "دائرة الأرشيف والمجموعات الخاصة في الجامعة الأميركية" سمر ميقاتي لـ "نداء الوطن" إلى أن "المعرض، الذي يضمّ بعض المختارات من "مخزون" المهرجانات ودائرة الأرشيف في الجامعة، يكشف تاريخ القلعة وبدايات المهرجانات، وصولا إلى مجموعة من الصور الفوتوغرافية والملصقات والمواد الأرشيفية التي تروي تاريخ المهرجان. وتبرز بعض أقسامه فستانًا لصباح في مسرحية "الشلال"، من تصميم بابو لحود سعادة، وفستانًا آخر لفيروز في مسرحية "أيام فخر الدين"، من تصميم مارسيل ربيز وسامية صعب، إلى جانب مختارات من عروض "فرقة كركلا" و "فرقة الأنوار"، مثلا، إضافة إلى صور متفرقة لمسرحيات أجنبية على غرار "تاجر البندقية" و "شيكاغو"، ولبنانية محلية مثل "أيام فخر الدين" و "أعرب ما يلي" ليعقوب الشدراوي مع أنطوان كرباج. كما يبرز المعرض صورة لمسرحية "الفرس" عام 1944، التي نظمتها في بعلبك "الجمعية الوطنية للمحافظة على الثقافة اللبنانية وإنمائها"، وكانت برعاية الرئيس الأسبق للجمهورية بشارة الخوري، فضلا عن لقطات من حفلات أوبرالية مثل رائعة "كارمن"، وعروض باليه لرودولف نورييف، ومشهدية "مجنون إلسا"، وما حفظته الذاكرة الفنية لعمالقة الجاز، ومنهم ألبرت آيلر وسواه، وكبار النجوم مثل أم كلثوم وشارل أزنافور ووردة الجزائرية وشيرين عبد الوهاب وميادة الحناوي وسواهم". طرحت فعالية أقيمت يوم الأربعاء عنوانًا مهمًا جدًا هو "أثر مهرجانات بعلبك الدولية في تطوير الموسيقى في لبنان وبلاد المشرق". وتحدث فيها كل من رئيسة "مهرجانات بعلبك الدولية" نايلة دو فريج، والدكتور في العلوم الموسيقية والباحث الأب بديع الحاج، والباحثة والكاتبة زينة صالح كيالي، التي قدّمت كتابها "زكي ناصيف منشد البيئة والتراث"، الذي يدخل ضمن سلسلة كتب لكيالي صادرة بالفرنسية عن موسيقيين لبنانيين. وحاولت كلمات المتحدثين الثلاثة "إنصاف" مبادرة السيدة زلفا شمعون، التي تعود إليها، أولا وأخيرًا، فكرة تأسيس المهرجانات. وسردت دو فريج المحطات التي شهدت انقطاع المهرجانات منذ تأسيسها إلى اليوم، وارتباطها بالحوادث الأمنية، بدءًا من سنة 1958، وصولا إلى حرب 1975 بسنواتها الأليمة، لافتة إلى أن "مهرجان بعلبك غيّر برامجه وفنانيه وجمهوره وتقنياته ومسارحه، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن هدفه الأساسي، ألا وهو خلق حوار بين اللبنانيين أنفسهم، وبين لبنان والعالم. ولهذا السبب، فإن الاستمرارية تعني التجدد والابتكار". أما الأب الحاج، فلخّص "أثر المهرجانات في أربعة تحولات مترابطة. فهي، أولا، نقلت الإنتاج الموسيقي اللبناني إلى إطار مؤسسي وفّر إمكانات لم تكن متاحة بالمقياس نفسه. وثانيًا، جمعت في عمل واحد التأليف والكلمة والتوزيع والغناء والعزف، إلى جانب الكورس والرقص والإخراج والإضاءة وتصميم الأزياء. وثالثًا، دفعت الفنانين إلى تطوير أشكال تستجيب لفضاء أثري واسع ولجمهور يتجاوز المستمع الإذاعي. أما الأثر الرابع، فهو أنها جعلت من الموسيقى والمسرح الغنائي وسيلتَين لتمثيل لبنان ثقافيًا أمام الجمهور العربي والدولي". وأكدت كيالي، من جهتها، لـ "نداء الوطن"، قبل توقيع كتابها، أن مؤلَّفها يتطلّع إلى رفع الغبن عن زكي ناصيف، الذي لم يكن يومًا موسيقيًا شرقيًا أو غربيًا، بل تمكنت موسيقاه من احتلال مكانة فريدة في بناء الهوية الثقافية اللبنانية، موضحة أن "موسيقاه تتجاوز الحدود الفاصلة بين المقدس والدنيوي، وبين الشعبي والنخبوي، وبين الذاتي والجماعي، لتبرز في قدرتها على الجمع بين المتناقضات، وخلق حوار بين الذاكرات ا