منذ أسابيع، والرأي العام اللبناني يتابع، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، جدلاً متصاعداً حول شركة "كورال" ومشروعها لتطوير منشأة تخزين مشتقات نفطية في برج حمود. اتهامات، فرضيات، مقاطع فيديو مثيرة، واستحضار متكرر لذاكرة انفجار مرفأ بيروت لربطه بملف لا علاقة فعلية للشركة به. أمام هذا الكم من التداول العاطفي، أجرت "نداء الوطن" تحقيقها الخاص، بعيداً عن الاصطفافات، بالعودة إلى الوثائق والمستندات الرسمية وحدها. وهذا ما توصلنا إليه. أولاً: ابتزاز من أحد الجيران فقط، لا كارثة إطلاقاً كما يُتداول على وسائل التواصل الوقائع والمعلومات التي جمعناها تشير إلى أن جذر هذا الملف لا يبدأ من هاجس السلامة العامة، بل من ابتزاز عقاري خضعت له "كورال" من إحدى الجهات المالكة لعقار مجاور لمنشآتها. وبحسب معلوماتنا، طالبت هذه الجهة الشركة بشراء عقارها بمبلغ يقارب عشرة أضعاف قيمته الفعلية في السوق. وعندما رفضت "كورال" هذا الطلب، بدأت حملة ضغط متصاعدة، انتقلت تدريجياً من المطالبة العقارية إلى تخويف الرأي العام من خطر مفترض. هذا لا يعني أن كل سؤال يُطرح حول سلامة المنشأة غير مشروع، فمن حق الجوار والرأي العام أن يسألا ويطّلعا على الإجراءات المتخذة لحمايتهما. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين سؤال مشروع وحملة منظمة تنطلق من مصلحة تجارية وعقاريّة ضيقة. ولم تتردد الجهة التي أدارت هذه الحملة في استخدام وسيلة غير أخلاقية بامتياز: استحضار صدمة انفجار الرابع من آب، الذي أصاب أكثر من ستة ملايين لبناني بجرح جماعي لم يندمل بعد، بينهم أصحاب "كورال" وموظفوها أنفسهم، لتحويلها إلى أداة تخويف في نزاع لا علاقة فعلية له بذلك الحدث. لكن الوقائع، بعيداً عن هذا الاستثمار العاطفي، مختلفة تماماً. فقد دُمّر المحيط المباشر لمرفأ بيروت تدميراً شبه كامل يوم 4 آب، في حين أن منشآت "كورال" اللصيقة بموقع الانفجار خضعت، من دون أن تختار ذلك، لأقسى اختبار إجهاد (stress test) يمكن أن تتعرض له منشأة تخزين مشتقات نفطية: بقيت المنشآت سليمة بالكامل، ولم يُسجَّل أي تسرب أو حريق أو حادثة واحدة، وبقي المخزون بأكمله سليماً. وهذا ما لم يقله أحد ممن روّجوا لسيناريوهات "الانفجار المماثل": أن المنشأة نفسها اجتازت فعلياً اختباراً واقعياً لا افتراضياً لمتانتها، ونجحت فيه بالكامل. ثانياً: أكثر من ألف موظف يعملون في المنشآت يومياً... من يخاطر بحياتهم؟ توظّف "كورال" أكثر من ألف شخص يعملون يومياً داخل منشآتها. أصحاب الشركة أنفسهم، والموظفون، ومئات الزائرين والعملاء والمورّدين يومياً. وعائلات هؤلاء الموظفين يعيشون على مقربة من هذه المنشآت أو يقضون فيها ساعات طويلة كل يوم. المنطق البسيط يفرض السؤال التالي: هل يعقل أن تخاطر إدارة بمصير شركة عمرها مئة عام، وبنفسها، وبسلامة أكثر من ألف عائلة تعتاش منها، من أجل توفير كلفة استثمار في السلامة؟ الوقائع الموثقة تقول العكس تماماً. فقد خضعت منشآت "كورال" خلال عام 2026 وحده لسلسلة واسعة جداً، لا بل غير موجودة إطلاقاً في أي منشآت نفطية أخرى في لبنان، من عمليات الكشف والتدقيق، من جهات محلية ودولية مستقلة: المديرية العامة للدفاع المدني التي أجرت كشفاً ميدانياً شاملاً في 13 شباط 2026 وخلصت إلى أن المنشأة تتمتع بمنظومة متكاملة للسلامة العامة ومكافحة الحرائق؛ شركة رقابة تعمل تحت مظلة "Saybolt International" أعدّت 31 تقريراً دورياً على مدى سبع سنوات؛ شركة تعمل تحت مظلة "International Cargo Surveyors" أصدرت تقريراً مرفقاً بـ28 مستنداً فنياً بلغ مجموعها نحو 470 صفحة؛ تفتيش وفق برنامج "JIG" والمعيار الدولي "EI/JIG 1530" من شركة "BP Ltd" منح المنشأة تصنيف "جيد"، وهو الأعلى ضمن البرنامج؛ وتدقيق من "Bureau Veritas" وفق المواصفة الدولية "ISO 45001:2018" توّج بمنح الشركة شهادة دولية في إدارة الصحة والسلامة المهنية. معلوماتنا تشير إلى أن كل إدارة معنية في الملف في الدولة اللبنانية تملك ملفاً متكاملاً لـ"كورال" فيه أكثر من ألف صفحة كاملة من التحقيقات. لا بل إن أحد المدراء العامين في الدّولة الذين تواصلنا معهم لاستبيانهم عن الملف ردّ ساخراً بالقول: ملفّ هذه الشركة ربما يكون الملف الوحيد الذي اطّلع عليه منذ أكثر من 20 عاماً لا تشوبه شائبة واحدة، مضيفاً: ابحثوا عن الحقيقة لدى جيرانهم، وليس لديهم. لا بل أكثر من ذلك، وهنا المفاجأة، حيث أنّنا تواصلنا مع رئيس مجلس إدارة شركة لبنانيّة نفطيّة عريقة تنافس كورال، فأتى جوابه البسيط صاعقًا، حيث قال لنا ما حرفيّته: لا غبار على ملفّهم، والإشكاليّة عقاريّة وشخصيّة بحت." وقد تبيّن أن "كورال" اعتمدت في مشروع تخزين غاز النفط المسيل تقنية الخزانات المردومة بالكامل، وهي تقنية معتمدة عالمياً لم تُسجَّل بشأنها أي حوادث في منشآت مماثلة على مدى عقو