قبل عام، انطلقت عملية تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان. شاحنات تغادر المخيمات محمّلة بأسلحة، والجيش يتسلّمها تباعا، فيما رافقت البيانات الرسمية والصور كل مرحلة، في مشهد أوحى بأن ملفا بقي لعقود خارج سلطة الدولة بدأ يدخل طورا مختلفا. لكن بعد أكثر من عام على إعلان الرئيسين اللبناني جوزاف عون والفلسطيني محمود عباس، في مايو 2025، أن “زمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية قد انتهى”، تبدّلت الصورة، فغابت الشاحنات عن المشهد، وتراجع حضور الملف، من دون إعلان إذا كانت العملية اكتملت أو توقفت؟ وتعود جذور الوضع الأمني الخاص للمخيمات إلى اتفاق القاهرة عام 1969، الذي نقل السيطرة عليها من القوات المسلحة اللبنانية إلى “قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح”. ورغم إلغاء مجلس النواب اللبناني الاتفاق عام 1987، بقيت تداعياته حاضرة في العلاقة بين الدولة والمخيمات، وفي واقع السلاح الفلسطيني داخلها. ويوجد في لبنان 12 مخيما رسميا للاجئين الفلسطينيين وعدد من التجمعات، أبرزها عين الحلوة والرشيدية في الجنوب، وشاتيلا وبرج البراجنة في بيروت، والبداوي ونهر البارد في الشمال. وتظهر سجلات وكالة الأونروا نحو 493 ألف لاجئ فلسطيني مسجل في هذه المخيمات. ومع بدء تسليم السلاح، بدا أن هذا الواقع يتجه للمرة الأولى منذ عقود نحو تغيير فعلي. فما بدأ بخطوة أولى في أغسطس 2025، توسّع خلال الأسابيع التالية ليشمل مخيمات عدة. وفي سبتمبر الماضي، أعلن الجيش تسلّمه 5 شاحنات من مخيم عين الحلوة في صيدا و3 من مخيم البداوي في طرابلس، محمّلة بأسلحة وقذائف وذخائر حربية. وبدا حينها أن العملية تتقدم من مخيم إلى آخر. غير أن هذا التقدم كشف، في الوقت نفسه، حدود العملية: فالسلاح الذي دخل عهدة الدولة كان في معظمه ضمن دائرة الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية، فيما بقيت الترسانة الموجودة لدى الفصائل الواقعة خارجها، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، المدرجتين على قوائم الإرهاب الأميركية، خارج عملية التسليم. ورغم تراجع مشاهد التسليم، يؤكد مستشار لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني هشام دبسي لـ”الحرة” أن العملية لم تكتمل ولم تتوقف، وأن المبادرة الفلسطينية مستمرة. وأوضح أن تنظيم “فتح–الانتفاضة” سلّم، قبل نحو أسبوعين، سلاحه في مخيم البداوي إلى الجيش اللبناني من دون اعتراض. من جهته، يؤكد مصدر رسمي فلسطيني مطلع على القضية لموقع “الحرة” أن كل السلاح الثقيل الذي طلبته الدولة اللبنانية جرى تسليمه سواء داخل المخيمات أو خارجها. وأشار إلى أن الجيش اللبناني تسلّم المعسكرات التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة في الناعمة وقوسايا وعنجر، إضافة إلى معسكرات “فتح–الانتفاضة” وأنه “لم يعد هناك سلاح ثقيل، فيما يتركز ما تبقى، على السلاح الخفيف الذي لم تعد له قيمة عسكرية تذكر”. لكن مصدرا أمنيا لبنانيا قدّم تقديرا أكثر تحفظا لحجم ما تحقق، معتبرا في حديث لموقع “الحرة” أن “الكميات التي سلّمت محدودة جدا”، وأن المخيمات لا تزال تضم أسلحة وكميات أكثر أهمية مما ظهر خلال عمليات التسليم. وبين الروايتين تبقى فجوة يصعب حسمها في غياب حصر رسمي معلن يحدد حجم الترسانة قبل بدء العملية، وما سلّم منها وما بقي. وتظهر العقدة الأساسية عند الفصائل خارج منظمة التحرير، وفي مقدمتها حركة حماس، إذ لا تملك السلطة الفلسطينية سلطة إلزامها بقرار تسليم السلاح. ويقول دبسي إن حماس تناور من أجل الحصول على مكاسب خاصة واعتراف من الدولة اللبنانية بشرعية وجودها، فيما تؤكد الحكومة والرئاسة التزامهما بخطاب القسم والبيان الوزاري اللذين يحصران العلاقة في الشرعية الفلسطينية، وعبر سفارة فلسطين في بيروت. وكانت فصائل فلسطينية أعلنت، منذ بدء عمليات التسليم في أغسطس 2025، أن ما جرى شأن خاص بحركة فتح وليس بداية لنزع شامل للسلاح، مؤكدة رفض التخلي عنه ما دام “الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مستمراً”. وعند هذه النقطة، يرسم دبسي حدود الدور الفلسطيني، مؤكداً أن أي فصيل لا يريد تنفيذ قرارات الدولة اللبنانية ولا يريد الالتزام بقرارات الشرعية الفلسطينية سيتم التصرف معه من قبل السلطات اللبنانية المعنية، وليس من منظمة التحرير. وشدد على أنه لا يحق لأحد أن يتجاوز مهام الشرعية اللبنانية وقواتها المسلحة صاحبة الحق الحصري في معالجة قضية السلاح غير الشرعي بالطريقة التي تراها والتوقيت المناسب. وبذلك، انتقل الملف إلى مرحلة مختلفة: فما أمكن إنجازه بالتفاهم مع السلطة الفلسطينية كان كل ما تحقق بالفعل. أما ما تبقى فيتعلق بفصائل لا تملك رام الله قرارها، ما ينقل مسؤولية التعامل معها من التفاهم اللبناني–الفلسطيني إلى الدولة اللبنانية نفسها. ولا تقتصر المشكلة على رفض بعض الفصائل التسليم. وبحسب مراقبين يحمل نزع السلاح بصورة غير متزامنة مخاطر أمنية داخل