الفاتيكان ولبنان: تثبيت الدولة وحماية التعدُّد في زمن التحوُّلات 19 أيلول 2026 · 01:16 ص 4 دقائق قراءة حجم الخط لا يمكن فصل الإشارات الصادرة أخيراً عن الفاتيكان بشأن لبنان عن التحولات المحيطة محلياً وإقليمياً. لم يعد الأمر مرتبطاً حصراً بسلامة الوضع الداخلي، بقدر ما تتصل أيضاً بموقع لبنان في مرحلة إقليمية يجري فيها البحث عن ترتيبات جديدة للحدود والأمن والعلاقات بين الدول. في هذا السياق، تبدو المقاربة الفاتيكانية أكثر ارتباطاً بمستقبل الكيان اللبناني وقدرته على استعادة فاعليته السياسية، من دون الدخول في لعبة الاصطفافات المحلية. يكتسب هذا التوجه دلالته من توقيت الحركة الديبلوماسية في روما. ففي 20 آب، استقبل البابا لاون الرابع عشر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، فيما تركزت محادثات عون مع المسؤولين في الكرسي الرسولي على الاتفاق الإطاري الثلاثي الموقَّع بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل في 26 حزيران، والهادف إلى تثبيت الحدود الجنوبية والوصول إلى سلام عادل ودائم. وقد عبّر الفاتيكان عن ارتياحه للتوقيع، لكنه أبدى في الوقت نفسه قلقاً من الصعوبات التي تعترض التنفيذ. هذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن الفاتيكان لا تنظر إلى لبنان باعتباره ملفاً داخلياً، بل كجزء من مسار أوسع يفترض إعادة الاعتبار إلى الدولة في إدارة حدودها وعلاقاتها الخارجية. لذلك لا تبدو أي تسوية في الجنوب، في المنظور الفاتيكاني، مكتملة بمجرد وقف الأعمال العسكرية، بل تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح للدولة بأن تكون الطرف الذي يتولى إدارة الأمن والحدود والاتفاقات الدولية. في المقابل، لا يطرح الفاتيكان هذه الرؤية من خلال لغة الصدام مع أي فئة لبنانية. وهذه سمة أساسية في الديبلوماسية الفاتيكانية. لا يعني التواصل بالضرورة التوافق السياسي، كما لا يعني إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة التسوية على المبادئ التي يعتبرها الكرسي الرسولي ضرورية لبقاء لبنان. لعل موقف البابا لاون الرابع عشر في أيار الفائت يوضح هذا الاتجاه، حين شدد على وحدة اللبنانيين، وعلى ضرورة تعزيز الروابط بين المسيحيين وسائر أبناء الوطن في مرحلة وصف فيها وحدة البلاد وتماسكها بأنهما مهددان. من هنا، يصبح التواصل مع مختلف المكونات اللبنانية جزءاً من وظيفة سياسية تتجاوز العلاقات الكنسية التقليدية. يدرك الفاتيكان أن التركيبة اللبنانية لا تسمح بإنتاج استقرار مستدام عبر استبعاد طرف أو عزل بيئة اجتماعية بكاملها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تعني حماية التعدد تكريس تعدد مراكز القرار، لأن النتيجة في هذه الحالة ستكون دولة تتعايش فيها الجماعات من دون أن تمتلك مؤسساتها القدرة على تنظيم العلاقة بينها. هذا تحديداً ما يجعل الموقف الفاتيكاني قابلاً للقراءة على مستويين متلازمين. من جهة حماية المجتمع اللبناني من الانقسام، ومن جهة أخرى حماية الدولة من التحول إلى مجرد إطار شكلي للتوازنات. ولا يصبح التنوع الذي طالما اعتبره الفاتيكان قيمة لبنانية، عنصر قوة إلا عندما يجد مرجعيته السياسية والمؤسسيّة داخل نظام واحد. أما حين تتحول الجماعات إلى كيانات سياسية وأمنية متوازية، فيفقد التعدد وظيفته الوطنية ويتحول إلى مصدر دائم للتوتر. تتلاقى هذه المقاربة مع النقاش اللبناني الأوسع حول وظيفة الدولة في المرحلة المقبلة. فالسينودس الماروني الذي انعقد في بكركي في حزيران 2026 ربط بصورة واضحة بين لبنان النهائي لجميع أبنائه، والشراكة الوطنية، ووجود دولة حرة وسيدة وعادلة، مع التشديد على السيادة والتعددية والعيش المشترك. هذا لا يعني أن موقف الكنيسة المارونية والفاتيكان متطابق في كل التفاصيل، لكنه يكشف وجود أرضية فكرية مشتركة حول العلاقة بين بقاء الصيغة اللبنانية وبين قوة مؤسسات الدولة. الأهم أن الفاتيكان لا يبدو معنياً باستبدال الدور اللبناني الداخلي بدور خارجي. هو لا يقدم نفسه طرفاً يملك مشروعاً سياسياً للبنان، بل مرجعية تسعى إلى حماية الشروط التي تسمح للبنان بالبقاء مساحة للتعدد والحوار. لذلك تأتي دعوته إلى السلام والتفاوض بالتوازي مع مساندة المسار الذي يستعيد للدولة اللبنانية قدرتها على إدارة شؤونها. وكرر البابا لاون الرابع عشر أن الحوار والديبلوماسية هما الطريق إلى سلام مستدام في المنطقة. قد لا تكون الرسالة الأكثر أهمية في المقاربة الفاتيكانية في تفاصيل المواقف المعلنة، بل في ترتيب الأولويات الذي تعكسه. إذ لا حماية للبنان من الخارج من دون إعادة بناء مؤسساته من الداخل، ولا حماية لتعدديته من دون إطار وطني جامع، ولا استقرار للحدود من دون مرجعية لبنانية رسمية قادرة على تحمل مسؤولياتها. في هذه اللحظة الإقليمية، تبدو حاضرة الفاتيكان حريصة على ألا يتحول لبنان إلى ساحة لتثبيت نتائج الصراع، بل إلى دولة قادرة على المشاركة في رسم المرحلة التي تليه. لا تقع هذه المهمة على ال