عون ينجح في تثبيت لبنان على خريطة الاهتمام العربي - الدولي 19 أيلول 2026 · 01:19 ص 3 دقائق قراءة حجم الخط لم يكن اجتماع باريس، الذي خُصّص في عنوانه لدعم الجيش اللبناني، مجرد لقاء تقني يبحث في احتياجات المؤسسة العسكرية وقدراتها، بل بدا في مضمونه السياسي والرسائل التي حملها أشبه بمحطة دعم متقدمة للبنان، في مرحلة دقيقة تتداخل فيها الملفات التفاوضية والأمنية والسياسية، وتتزايد فيها الحاجة إلى مظلة عربية وأوروبية تحمي الاستقرار اللبناني وتواكب الدولة في استعادة دورها وسيادتها، ووقف العدوان الإسرائيلي. لقد استطاع رئيس الجمهورية جوزاف عون أن يكرّس، من خلال هذا الحضور الدولي والعربي، حقيقة أساسية مفادها أن لبنان ليس وحيداً في مواجهة أزماته وتحدّياته، وأن هناك شبكة من العلاقات العربية والأوروبية والدولية يمكن البناء عليها لتثبيت الموقف اللبناني والدفع في اتجاه إنهاء الحرب والاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتهيئة الظروف الملائمة لإعادة الإعمار. ويكتسب الاجتماع «الباريسي» أهميته من مستوى المشاركة فيه، ولا سيما حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدلله الثاني إلى جانب رئيس الجمهورية اللبنانية، فضلاً عن مشاركة ممثلين عن دول عربية وأوروبية وغربية وإقليمية، بما يعكس وجود اهتمام دولي متنامٍ باستقرار لبنان وبمستقبل مؤسساته، وفي مقدمتها الجيش اللبناني الذي يُراد له أن يكون الأداة الأساسية للدولة في تثبيت الأمن وحماية الحدود وبسط سلطة الشرعية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل دعم الجيش عن المشروع الأوسع المتصل بمستقبل الدولة اللبنانية. فالجيش يحتاج إلى الدعم المالي واللوجستي والتسليحي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى بيئة سياسية ودولية تساعده على أداء دوره، وإلى مسار متكامل يتيح للدولة اللبنانية توسيع حضورها وتعزيز سيادتها. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تربط جانباً من دعمها للجيش اللبناني بمسار تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، لأن لبنان يقف أمام معادلة دقيقة بين حماية مؤسساته، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، والاستجابة للاستحقاقات الدولية، وعدم تحويل الملفات الخلافية إلى عوامل تفجير سياسي أو أمني. واللافت أن الرئيس عون استطاع، عبر سياسة الانفتاح على العواصم الصديقة، أن يضع الموقف اللبناني في مساحة أوسع من العلاقات الثنائية التقليدية. فالحضور الفرنسي يشكّل رافعة أوروبية، والحضور الأردني يعبّر عن عمق عربي، فيما تتيح مشاركة دول أخرى توسيع دائرة الدعم والمواكبة، بما يمنح لبنان قدرة أكبر على التحرك في المرحلة المقبلة. ومن هنا، فإن أهمية باريس لا تكمن بالضرورة في انتظار نتائج فورية أو مساعدات عاجلة، بل في الاتجاه الذي رسمه الاجتماع. فالمطلوب الانتقال تدريجياً من إدارة الأزمة إلى التحضير لمرحلة جديدة، يكون فيها الجيش اللبناني في صلب عملية تثبيت الاستقرار، وتكون الدولة صاحبة القرار والمسؤولة عن حماية أراضيها ومؤسساتها. ولعلّ الخطوة الأهم بعد هذا اللقاء تتمثل في استثمار الزخم السياسي المتوافر، عبر التواصل مع العواصم المؤثرة والمعنية باستقرار لبنان، وتحويل الدعم السياسي العربي والأوروبي إلى خطوات تنفيذية واضحة، سواء على مستوى دعم الجيش أو مساعدة لبنان في مواجهة تداعيات الحرب أو إطلاق مسار إعادة الإعمار. لقد حمل اجتماع باريس، إذاً، أكثر من عنوان. فهو دعم للجيش، لكنه في الوقت نفسه إعادة تثبيت للبنان على خريطة الاهتمام الدولي، ورسالة بأن الدولة اللبنانية تمتلك هامشاً للتحرك، وأن بناء شبكة أمان عربية وأوروبية حولها بات جزءاً أساسياً من معركة تثبيت الاستقرار والسيادة. ويبقى التحدّي الحقيقي في قدرة لبنان على تحويل هذا الاحتضان السياسي إلى مسار عملي طويل الأمد، يعيد للدولة موقعها ويضع الجيش في موقعه الطبيعي كأداة أساسية لحماية لبنان وصون سيادته.