خلال الأيام الماضية، أفردت الصحافة الغربية مساحات واسعة لما يشبه حملة مركّزة وظالمة على المملكة العربية السعودية، بعدما وصل الحوثيون إلى المخا وباب المندب، وبدأت صور التراجع الميداني لحلفاء الرياض تتصدر الشاشات والعناوين. وكثرت الاجتهادات، بل الشماتة أحياناً. فمن قائل إن ما يجري يُراد منه الضغط على المملكة لدفعها إلى اتفاقات أبراهام، إلى من ذهب أبعد متحدثاً عن تفاهم أميركي مسبق مع الحوثيين، وصولاً إلى من استنتج أن السعودية باتت رهينة لإيران، أو أن نموذجها السياسي والاقتصادي نفسه أصبح في خطر. لكن الدول لا تُقرأ بالشماتة، والحروب لا تُفهم بنظريات المؤامرة. وما تتعرض له المملكة من استهداف لمنشآتها وأراضيها لا يمكن تبريره بنقد سياساتها أو خياراتها السابقة. أما ما حدث في اليمن، فله تفسير أبسط، وربما أكثر قسوة: موازين القوى على الأرض لم تكن منذ سنوات في مصلحة حلفاء المملكة بالقدر الذي أوحت به الأموال التي أنفقت، والأسلحة التي سُلّمت، والأعداد التي سُجلت في دفاتر الجيوش والتشكيلات المسلحة. وما حدث في المخا لم يصنع هذا الاختلال، بل.. كشفه. كانت السعودية، بحسب "فايننشال تايمز"، تدفع قبل الهجوم الأخير رواتب لما يصل إلى 400 ألف مقاتل يمني. رقم هائل لو كان عدد الرجال هو الذي يحسم الحروب. لكن هذه القوات لم تكن جيشاً واحداً، بل تشكيلات متعددة، بولاءات وأجندات وقيادات مختلفة، تعاني ضعف التنسيق والاتصالات والمعلومات الاستخبارية والثقة المتبادلة. وعندما جاءت لحظة الاختبار، ظهرت الفجوة بين القوة المسجلة على الورق والقوة الموجودة فعلاً على الأرض. وروى مقاتلون للصحيفة كيف اكتشفوا أن وحدات خلفهم كانت قد انسحبت، وأن بعض القادة سبقوا جنودهم إلى الفرار. بعض المقاتلين استسلم، وبعضهم باع سلاحه، وبعضهم دفن بندقيته وتنكر بملابس النازحين حتى لا يُعاد إلى الجبهة. ولم يكن ذلك كله مسؤولية سعودية وحدها. فاليمن نفسه انقسم، وتصارعت قواه ومشاريعه، كما أضاف الخلاف السعودي–الإماراتي حول الجنوب مزيداً من الضعف إلى المعسكر المناهض للحوثيين. وبعد تراجع الدور الإماراتي مطلع هذا العام، ظهر فراغ لم يُملأ بالسرعة والفاعلية المطلوبتين. وقد وثقت تقارير حديثة الانقسامات التي عانت منها القوات المناهضة للحوثيين قبيل سقوط المخا. وفي الجهة المقابلة، كان الحوثيون يسيرون في الاتجاه المعاكس. فمن حركة محلية خرجت من جبال صعدة، تحولوا خلال عقدين من الحروب إلى تنظيم عسكري أكثر مركزية وانضباطاً، راكم خبرة قتالية طويلة، وخصص جزءاً كبيراً من موارد المناطق التي يسيطر عليها للمجهود الحربي، وطوّر قدراته الصاروخية والمسيّرة ووسائل القيادة والسيطرة والتصنيع المحلي. وتوثق "رويترز" هذا التحول من حركة محدودة إلى قوة تمتلك ترسانة أكثر تطوراً، مع استمرار الدعم والتدريب والتكنولوجيا الإيرانية. ولا يمكن بالطبع فهم هذا التحول من دون إيران. لكن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية يخطئ في قراءة المشكلة بالقدر نفسه الذي يخطئ فيه تجاهل الدور الإيراني. فبعد عقدين من القتال، باتت الجماعة تمتلك خبرة وتنظيماً وموارد وقدرات محلية خاصة بها. ولذلك فإن إخراجها من المناطق التي تسيطر عليها اليوم ليس شبيهاً بمواجهة التنظيم الذي كان موجوداً قبل عشر سنوات. ثم جاءت المخا. قيمة المخا ليست في الميناء وحده، بل في الجغرافيا. فالتقدم الحوثي على الساحل والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب وسّعا بصورة كبيرة قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولا يعني ذلك أن باب المندب أُغلق؛ فالسفن ما زالت تعبره. لكن المعادلة الأمنية للمضيق تغيرت بصورة يصعب تجاهلها. وهنا تبدأ المشكلة السعودية الحقيقية. فمع اضطراب الملاحة في هرمز، ازدادت أهمية الطريق الغربي للمملكة عبر خط شرق–غرب وينبع والبحر الأحمر. لكن البنية النفطية السعودية نفسها تعرضت لهجمات، فيما أصبح باب المندب أكثر تعرضاً للضغط الحوثي. ولا يعني ذلك، كما ذهب بعض المعلقين، أن إيران والحوثيين أصبحوا يتحكمون بالنفط السعودي. فالمملكة ما زالت تملك قدرات اقتصادية وعسكرية ولوجستية هائلة. لكنه يعني أن ميزة تعدد طرق التصدير التي منحت السعودية تاريخياً هامش أمان استراتيجياً أصبحت معرضة للضغط من الشرق والغرب في الوقت نفسه. وحركة السفن في هرمز بقيت هذا الأسبوع أدنى بكثير من متوسطها الأخير، في وقت استمرت فيه الحركة في باب المندب وإن بمستويات أقل قليلاً من المعتاد. والأكثر أهمية أن سقوط المخا لم يحدث في فراغ استخباري أو في غياب الدعم الخارجي لحلفاء الرياض. فوجود مئات المستشارين الاميركيين موثق، ومع ذلك سقطت المدينة. ويأتيك السؤال الساذج: لماذا لم تقصف السعودية أهدافاً أكثر؟ لكن الجواب المنطقي هو: ماذا كان سيحقق المزيد من القصف؟