كان الطفل في الماضي يبحث عن صديق ليلعب معه، أو يخرج إلى الشارع، أو يجلس إلى جانب والديه ليستمع إلى حكاية مشوقة. أما اليوم، فقد تكفيه شاشة صغيرة ليبقى هادئا لساعات، هاتف في يده أثناء الطعام، وجهاز لوحي في السيارة.. تسللت التكنولوجيا إلى تفاصيل طفولته حتى لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءا من عالمه الخاص الذي يصعب على الكبار الدخول إليه. كانت للطفولة ذات يوم رائحة مختلفة، رائحة تراب بعد المطر، وطبشورة على لوح، وكتاب صغير يُفتح على عجل، وشارع يضج بأصوات الأطفال وهم يركضون خلف كرة لا يعرفون أين ستقودهم. معاناة الأهل وللوقوف عند مخاطر الشاشة التي يحملها الطفل لساعات طويلة توجهنا بطرح السؤال على الأمهات، وتقول السيدة ربى أبي فراج وهي أم لتوأم لـ"المدن": "لا أستطيع شرح المعاناة بين توأمي والشاشة يكاد يكون الأمر يصل إلى ساعات الليل والنهار، وأعاني كثيرا عندما تخرج العائلة إلى حفل زفاف أو مناسبة اجتماعية فينبغي أن أحضر جهاز الآيباد والتلفون حتى أضمن الهدوء والسكينة لدى توأمي". من جهتها قالت السيدة ميراي عواد: "أحاول قدر المستطاع ضبط استعمال الهاتف النقال لدى ولدي البالغ من العمر 13 عاما، وهذا عمر المراهقة الأخطر برأيي وأحاول متابعة ما يشاهده من برامج وأفلام ولكنه في الغالب يستعمله للعب مع رفاقه وأحيانا لمشاهدة برامج تعليمية وهذا يريحيني بعض الشيء والتكنولوجيا أصبحت سلاحا ذو حدين، ولكن علينا أن نعترف أن لكل جيل زمانه وهواياته وميوله الفكرية". ما رأي علم النفس؟من جهتها قالت د. أريج القيسي أخصائية علم النفس التربوي والمستشارة في القيادة التنفيذية والتوجيه المهني لـ"المدن": "أصبح استخدام الشاشات مشكلة فعلية لدى الأطفال في لبنان لكن حدتها تتفاوت من طفل إلى آخر، والعامل الحاسم ليس عدد الساعات، بل نوعية المحتوى، ودرجة إشراف الاهل، ومدى تعارض وقت الشاشة مع أنشطة جوهرية كاللعب والنوم والتفاعل الأسري". وترى القيسي إن العمر الذي يبدأ فيه الطفل عادة باستخدام الهاتف أو الجهاز اللوحي أبكر بكثير مما يتصور معظم الأهل، وهناك أبحاث موثقة تشير إلى أن متوسط عمر التعرض الأول للشاشة يقع في الأشهر الأولى من الحياة، ودراسة أسترالية تابعت 207 أطفال من عمر 6 أشهر، وجدت أن الأطفال في هذا السن كانوا يتعرضون للشاشات في المتوسط نحو ساعة و16 دقيقة يوميا وبعض الأطفال يتجاوزون ثلاث ساعات يوميا. تتابع: "أما منظمة الصحة العالمية والأكاديمية الأميركية لطب الأطفال تقولان لا شاشات قبل 18 شهرا، وساعة يوميا كحد أقصى للأطفال بين عامين وخمسة أعوام. والعلامة الأهم سريريا التي تدل على تعلق الطفل بالشاشة ليست عدد الساعات بل ما يحدث عند تناول الجهاز فهناك علامات كثيرة تظهر على الطفل مثل أعراض الانسحاب كالتهيّج وتقلبات المزاج، وانشغال ذهني دائم بالشاشة، وعجز عن التوقف رغم الإدراك بالضرر، ومن الناحية السلوكية، نوبات غضب حادة أو بكاء مفرط عند سحب الجهاز وفقدان المرونة، أي عجز الطفل عن الانتقال إلى نشاط آخر دون أزمة وهذه العلامة الأخيرة هي الأكثر دلالة سريريا. أما عاطفيا هناك تذبذب واضح في المزاج مرتبط تحديداً بمنح الشاشة أو سحبها، طلبها كرد فعل أول عند الملل أو التوتر أو أي انزعاج، أما اجتماعيا فتراجع في التفاعل مع الأسرة والأقران، فقدان الاهتمام بنشاطات كانت تسعده سابقا والأخطر معرفيا ما يؤدي إلى عجز عن التركيز في أي نشاط يتطلب صبرا بعيدا عن الشاشة". وحول تأثير الاستخدام الطويل للشاشة في مزاج الطفل وسلوكه تقول: "التأثير ثنائي الاتجاه وتراكمي وهذا ما يجعله خطيرا بشكل خاص فالاستخدام المرتفع يفاقم العدوانية والقلق وصعوبات الانتباه والاكتئاب، وهذه المشكلات بدورها تدفع الطفل إلى الشاشات كآلية تعامل، مكونة حلقة مفرغة المحتوى والإفراط في المحتوى سريع الإيقاع يُفضي أيضا إلى زيادة العدوانية والانفعالية ونوبات الغضب والتنظيم الذاتي". وعن علاقة استخدام الهاتف قبل النوم بجودة نوم الطفل ترى أن العلاقة مباشرة وموثقة فيزيولوجيا، فالضوء الأزرق الصادر عن الشاشات يُثبط إفراز هرمون الميلاتونين وهو هرمون النوم وحساسية الأطفال لهذا التأثير أعلى من البالغين وهناك أبحاث تثبت أن التعرض المسائي للضوء يُثبط إنتاج الميلاتونين لدى الأطفال بمقدار ضعف ما يحدث لدى الكبار إذ تؤكد الدراسات أن الاستخدام المطول قبل النوم يرتبط بتأخر موعد الدخول إلى النوم، وقصر مدته، وانقطاعه مع ارتباط خاص بالألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. وتعتبر أن "الاستخدام الطويل للشاشات يؤثر في قدرة الطفل على التركيز والأدلة واضحة وتمتد إلى بنية الدماغ عينها. فقد وجدت الدراسات أن وقت الشاشة يرتبط بتفاقم أعراض فرط الانتباه مع نقص التركيز وبتغييرات قابلة للقياس في الحجم "قشرة" الدماغ مما يشير إلى أن الشاشات لا تشتت الانت