في شهر أيلول، تحتفل قوى لبنانية بذكرى إطلاق مقاومتها ضد الاحتلال الذي أقام في العاصمة بيروت لفترة وجيزة. في شهر أيلول تحيّي قوى لبنانية أخرى، ذكرى اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب، بشير الجميل. في أيلول، نكون أمام نصّين نَضِرين سياسيّاً، ونابضين خلافياً حتى التناقض. النصّان كانا صراعيين، وكانا متضادّين، أمّا الآن، فإن القارئ يلزمه الكثير من الحكمة والصبر ليعيد اكتشاف مضمون كل نصّ، وللوقوف على معنى التاريخ الخاص بطرفي الانقسام، ماضياً، ليتسنّى له مراجعة ما هو واجب المراجعة في السياسة، ولتجاوز ما هو مطلوب تجاوزه، فكريّاً ونظريّاً، وفي ميدان الرؤية الوطنية المهيضة القول وجناح الحضور. ربط النصّين الأيلوليين بصفة مشتركة، أو بتعريف مشترك، سهل المنال، ذلك أن طرفي التضاد الأيلولي اتخذا اسم المقاومة عنواناً لسياساتهم، ثم حدّدا أهداف هذه السياسات، وأشارا بالقول وبالفعل إلى النقيض اللبناني الآخر، الذي كان عدوّاً لفترة زمنية معينة، واستمرّ خصماً سحابة كل الفترات. افتتاح القول في مناسبة أيلول، فرضته حقيقة ذكرى سنة 1982، أما الافتتاح الحقيقي الأساسي، لحقبة المقاومات اللبنانية فيعود إلى سنة 1920، أي سنة إعلان لبنان الكبير الذي نهضت في وجهه مقاومة على ضفتي "الكيانيين" الجُدُد، جمعت بين الأساليب السياسية وبين الوسائل الاقتتالية. تأسيساً على الموقف من الإرادة الانتدابية، الإنكليزية والفرنسية، التحاقاً بها، أو خروجاً عليها، ستتوالى مقاومات داخلية لبنانية لاحقة، ترتدي أقنعة ذات ألوان متعددة، لكن وجهها الخلافي الكياني واحد، ولبّ الخلاف، هو رفض الالتحاق القسري بالكيان الجديد، مخافة ذوبان أقلوي لدى المسيحيين ومخافة مغادرة الحضن الأكثري، لدى الأكثرية الإسلامية. ما كان الاسم المقاوم في تلك الأيام؟ لم يكن وطنيّاً، لكنه كان على الأغلب طائفياً، ولم يكن استقلاليّاً أو انفصاليّاً، بل لعله كان "هويّاتيّاً"، لأن تعريف كل فريق يدور ضمن دائرة هويته. ليس سرداً عبثياً ذكر خلافات ما بعد الاستقلال، ومعاينة الاصطفافات التي ترتبت عليها، قبل نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري وبعدها، كذلك ليس سمراً ليليّاً التوقف أمام محطة سنة 1958، عندما انفجرت في وجه الرئيس كميل شمعون أيام اقتتال دامية. يجب القول إن عنوان الانفجار السياسي، لم يحجب مضمون نصوص "المفجّرين" الأهليين، وأن مسألة العروبة والوحدة والناصرية، في مواجهة الأحلاف الاستعمارية، والردود "الاستقلالية" اللبنانية عليها، لم تكن وطنية صافية لوجه "الله والوطن"، بل كانت واستدامت كردود تحرّكها التوازنات الطائفية والمذهبية الداخلية، وتشعل فتيل نار خلافاتها، هواجس الخسارة لدى هذه الكتلة الأهلية أو تلك، كلّما آنست مسّاً بما تعتبره من المحرّمات في كتاب "مذهبها" الداخلي المقدّس. اختصار القول، أنه منذ البدء وحتى سنة 1958، كان تأسيس الخلافات والتناقضات مستداماً، لذلك قُيِّض لسنة 1975 أن تكون ولاّدة الانفجار الأهلي الكبير الذي خلخل البناء الميثاقي، ومن ثمّ أطاح به، إطاحة لم يفلح الطائف في ترميم آثار هزّاتها الارتدادية، مثلما لم تفلح كل المحاولات التي تطاولت حتى بلغت عامنا الحالي، سنة 2026. حفلت الحقبات السالفة بما يمكن تسميته احتلالين، أحدهما احتلال النظام الطائفي اللبناني، مفاصل البنية اللبنانية وحجز تطورها، والثاني الاحتلال الخارجي بوجهيه، ذلك الذي أقدمت عليه إسرائيل التي اجتاحت الجغرافيا، وذلك الذي أقدم عليه النظام السوري في صيغة الوصاية التي احتلت الإرادة اللبنانية، وأخضعتها لحساباتها السياسية الداخلية والإقليمية والدولية. وفقاً للسائد من الانقسامات اللبنانية، وجد الاحتلال الإسرائيلي من يسوّغه ويسانده، باسم اللبنانية والحريّة والاستقلالية، ووجدت الوصاية السورية من يدعوها نجدة أخوية باسم القومية والعروبة، وفي المطرحين، خسر المراهنون الاستقلاليون رهانهم على عملية "الإنقاذ" الإسرائيلية، ودفع الثمن غالياً المراهنون على "أخوّة" سورية لا مكان لها في كتاب الحسابات السياسية. وسط هذا المشهد، ولحقبة قصيرة، خرج من بين اللبنانيين فريق اتخذ اسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فحدّد العدو: إسرائيل، ورفض الوصاية السورية، ودعا إلى وحدة اللبنانيين حول هدف إنقاذ الوطن من خلال ثلاثية مدروسة بعناية، هي ثلاثية التحرير والتوحيد والديمقراطية. إلا أن هذا الطيف الحزبي المقاوم لم يحُز موافقة الأكثرية، فالمسيحية السياسية، ممثلة بأحزابها، كانت في موقع الضد، والإسلامية السياسية، انقسمت حول هذا الطيف، فكان أن وضعت الحجر الأساس الأول لقيام مقاومة "مذهبية"، توسلت خطاب مقاومة الاحتلال، وتفوقت في أدائها القتالي على المقاومة الوطنية، فكان لها أن سحبت العنوان من أيدي الأيلوليين الوطنيين الأوائل، بسلاح التفوق، وبسلاح الدعم الخارجي المفتوح، وبسلاح التفاف الش