احتفلت كوريا الشمالية في 9 الجاري بالذكرى السنوية الثامنة والسبعين لتأسيسها. وتشير برقيات التهنئة التي تلقاها كيم جونغ أون، بما فيها من سويسرا والسويد، إلى أن نظامه المتوحش ليس في عزلة دولية شاملة. ومن السذاجة التذكير بأن المصالح هي التي تحكم سلوك الدول، لكن شتان بين مصالح وأخرى، إذ بينها ما يُبنى على أنقاض حرية وحياة شعوب ودول. وكان من الطبيعي أن تكون بين البرقيات برقيتا بوتين وشي جين بينغ، وأن يركز كل منهما على تطوير ما يراه ضرورياً في علاقات كوريا الشمالية ببلده. فقد ركز الصيني على الطابع الأيديولوجي في علاقات البلدين، اللذين وصفهما بأنهما "جارتان اشتراكيتان صديقتان"، ووعد بمواصلة "التوجه الاستراتيجي" للبلدين، بينما شدد بوتين على "الشراكة الاستراتيجية الروسية ـ الكورية الشمالية الحالية"، وربطها بالأمن الإقليمي وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. ليس من جديد في العلاقات الصينية ـ الكورية بعد زيارة شي جين بينغ في حزيران/يونيو الماضي إلى كوريا، غير القلق الذي يتحدث عنه الإعلام من تعزيز العلاقة الروسية ـ الكورية. أما العلاقات الروسية ـ الكورية، التي شدد بوتين على "استراتيجيتها الحالية"، فتشهد منذ ما يقرب من السنتين تطورات شديدة الأهمية فرضتها الحاجة الروسية إلى السلاح والمقاتلين الكوريين الشماليين في الحرب على أوكرانيا. والعامل الأيديولوجي الذي يشدد عليه الصيني يغيب كلياً تقريباً في العلاقات الروسية ـ الكورية. وعدا السعي إلى بناء عالم متعدد الأقطاب وإزاحة الهيمنة الأميركية ـ الغربية عن قمة النظام العالمي، تبقى المصلحة هي التي تتحكم في هذه العلاقات. فحاجة روسيا إلى الذخيرة والمقاتلين الكوريين تقابلها حاجة كوريا الشديدة إلى المداخيل التي توفرها هذه المساعدة "الوازنة" لروسيا في حربها على أوكرانيا. البرقية التي رد فيها كيم جونغ أون على تهنئة بوتين، عبّر فيها عن دعمه لبوتين و"الشعب الروسي الشقيق"، وأكد ثقته بانتصار روسيا في "الحرب المقدسة من أجل الدفاع عن مصالح أمن البلاد والعدالة الدولية". وبلغة جده، "الزعيم المحبوب والمبجل" كيم إيل سونغ، أضاف قائلاً: "لا تتزعزع إرادتي وإرادة حكومة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في توسيع وتعميق العمل المشترك مع روسيا على نحو شامل، انطلاقاً من فهم مشترك لمستقبل مشرق للعلاقات الكورية ـ الروسية، القائمة على تقاليد الصداقة وحسن الجوار والمساعدة المتبادلة والعلاقات التحالفية الراسخة"، حسب موقع Prufy.ru الروسي في 15 الجاري. المفارقة شديدة وصادمة بين ما كانت عليه كوريا الشمالية بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي، وبين ما أصبحت عليه بالنسبة إلى روسيا الحالية. فقد كانت، حين نشأت بإرادة ستالين عام 1948، محمية سوفياتية خاض الاتحاد السوفياتي من أجل بقائها حرباً دامت ثلاث سنوات ضد الولايات المتحدة مطلع خمسينات القرن الماضي. وعمل ستالين حينها على تسليم كيم إيل سونغ السلطة، والذي حارب اليابانيين ضمن صفوف الجيش الأحمر، وجعل حكم "جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية" وراثياً بين أفراد أسرته. وها هو حفيده كيم جونغ أون، الذي يقبض على السلاح النووي، يخاطب حاكم روسيا "الند للند"، ويتعهد بمواصلة دعم "الشعب الروسي الشقيق". صحيح أن البلاشفة قد خسروا اتحادهم السوفياتي في المجابهة مع "الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية"، ويصرون على مواصلة القبض على عنق روسيا لإحياء هذا الاتحاد من خلال حربهم على الغرب عبر أوكرانيا، لكن الهوة التي دفعوا روسيا إليها جعلتها تستجدي السلاح من محميتها السابقة، "جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية". لقد جعل البلاشفة الحاليون روسيا العظيمة بكبارها، مثل تشايكوفسكي وشاليابين وتشيخوف وبرودسكي وباسترناك ونابوكوف، تنهار إلى "عظمة" السلاح و"مجد" الحرب والغزو. تلك هي المفارقة الصادمة التي يصعب أن يستسلم لها كبار روسيا المعاصرون، الذين وزعهم بلاشفة العصر بين السجون ومعسكرات الاعتقال، وأجبروهم على مغادرة روسيا والتشتت في سائر أصقاع العالم. في العودة إلى علاقات روسيا "الاستراتيجية" في عهد بوتين مع كوريا الشمالية، ذكرت دراسة نشرها معهد Chatham House في 9 الجاري أن أهمية كوريا الشمالية بالنسبة إلى موسكو قد بدأت بتزويدها بالذخائر والأسلحة، ثم توسعت إلى إرسال المقاتلين. وتقول الدراسة إن كوريا الشمالية أصبحت بمثابة "ترسانة احتياطية" لروسيا، إذ تزودها بالذخائر والصواريخ الباليستية والجنود. وبحسب تقديرات الاستخبارات الكورية الجنوبية التي أوردها المعهد، أرسلت بيونغ يانغ أكثر من 16 ألف عسكري إلى روسيا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024، وقدمت أكثر من 15 مليون قذيفة مدفعية. في الخطاب الروسي الرسمي، تحولت هذه المشاركة إلى رمز للتحالف. ففي التاسع من الجاري، وبمناسبة ذكرى تأسيس كوريا الشمالية، قال النائب الأول لرئيس مجلس الدوما إيف