تترنّح صيغة الإطار التي أقرّت بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، بفعل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بمختلف أشكالها. فإسرائيل تتمسّك بما تسميه «المنطقة الأمنية»، وتبقي انسحابها محصوراً بجزء من زوطر الغربية، رغم مرور نحو شهرين على إعلان المرحلة الأولى من المناطق التجريبية. تل أبيب وضعت سقفاً لانسحابها، يتمثل في نزع سلاح حزب الله في كل المناطق اللبنانية، كما أكد وزير أمنها يسرائيل كاتس، على وقع مفاوضات تبدو متعثرة حتى اليوم. فمن جهة، يتمسّك حزب الله بسلاحه ويرفض المفاوضات المباشرة، ومن جهة أخرى يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات الجرف والتدمير والتفخيخ في القرى المحتلة، فيما يسقط المزيد من الشهداء. لكن، رغم هذه العقبات، يتمسّك لبنان بخيار الدبلوماسية، وهو ما أفضى قبل أيام إلى مباحثات بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، ندى معوض ويحيئيل ليتر، تحضيراً لجولة المفاوضات السياسية المقبلة المزمع عقدها في روما، وفقاً لمصادر "المدن". بعد تعثر جولة المفاوضات الثامنة التي كانت مرتقبة في روما مطلع أيلول، يبدو أن المساعي الأميركية أدت إلى إعادة تحريك المسار السياسي. إذ تشير المعلومات إلى انعقاد جولة في تشرين الأول المقبل في العاصمة الإيطالية، من دون تحديد موعدها بعد. أمّا على المستوى العسكري، فتقول مصادر "المدن" إن جولة منفصلة ستُعقد على الأرجح في منتصف تشرين الأول المقبل، ولكن هذه المرة في الولايات المتحدة الأميركية. وحتى الساعة، ترجّح المصادر أن يستضيف مقر القيادة المركزية الأميركية، الـCENTCOM، في تامبا في ولاية فلوريدا، اجتماعاً عسكرياً تشارك فيه الوفود نفسها التي سبق أن فاوضت في روما، من دون استبعاد احتمال عقده في واشنطن، علماً أن الـCENTCOM، وإن لم يكن جهة تفاوضية، إلا أنه يلعب دوراً أمنياً أساسياً بين لبنان وإسرائيل، ويتولى التنسيق المباشر بين الدولتين في إطار الإشراف على آلية وقف الأعمال العدائية والانسحاب الإسرائيلي وخفض التصعيد. وبالتالي، لا يمكن فصل خيار عقد المفاوضات في مقر القيادة المركزية عن الدور الذي يُفترض أن تلعبه هذه القيادة في ترجمة التفاهمات إلى ترتيبات عسكرية قابلة للتنفيذ. وفي أي حال، فإن استضافة الولايات المتحدة للمفاوضات العسكرية، سواء في فلوريدا أو في واشنطن، تحمل دلالات، بحسب مصادر "المدن"، أبرزها التأكيد على استمرار الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني، في مقابل التشكيك الذي رافق نقل المباحثات إلى روما والذي حصل لأسباب لوجيستية. أما بالنسبة إلى أجندة المفاوضات العسكرية، فتشير مصادر "المدن" إلى أن من المتوقع أن تبحث ثلاث نقاط أساسية: توسيع المناطق التجريبية، واستكمال البحث في آلية التحقق، ومناقشة العوائق التي تعرقل التقدم، علماً أن الجيش، وفقاً لخطته، جاهز لإعادة الانتشار في أي منطقة محرّرة فور انسحاب الاحتلال الإسرائيلي منها. وبالتالي، فإن ما يعيق انتشار الجيش اللبناني هو تمسّك تل أبيب بالخط الأمني الذي رسمته لنفسها، من دون تقديم أي خطوة إيجابية تسمح للدولة اللبنانية ببسط سلطتها على تلك الأراضي. وساطة أميركية قبل جولة تشرين الأول صحيح أن جولة المفاوضات الأخيرة تعثرت، لكن اللقاء الذي أُعلن عنه بين السفيرين معوض وليتر جاء ليؤكد مواصلة المسار الدبلوماسي، وللتعويض عن تعذر انعقاد الجولة الثامنة. وتقول مصادر "المدن" إن الجانب الأميركي يقوم بدور أساسي على خط الوساطة، ذهاباً وإياباً، ويعمل على وضع خطة تأخذ في الاعتبار ملاحظات الطرفين، بهدف إيجاد أرضية مشتركة، علماً أن آلية التحقق والجهة التي ستتولاها لا تزالان من أبرز النقاط العالقة. فإسرائيل، من جهتها، تضع فيتو، بشكل عام، على الدول الأوروبية التي أعلنت بوضوح أنها ستنفذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إذا دخل أراضيها. من جهة أخرى، تبرز عقبات لدى الدول نفسها المستعدّة لخوض هذه المهمة. فأي دولة توافق على إرسال جنودها إلى لبنان تشترط ضمان سلامتهم أثناء تنفيذ مهامهم، ليس فقط في ما يتعلق بطبيعة المهمة الأمنية، وإنما أيضاً في ما يتعلق باحتمال وقوع مواجهة مع حزب الله خلال عملية التحقق. غير أن عنصر المخاطرة هذا يفترض موافقة الدولة ضمن أطر قانونية داخلية، تكون أحياناً مشددة، مثل الحصول على موافقة البرلمان، كما هي الحال في إيطاليا. علماً أن الانتخابات التشريعية في إيطاليا ستجري في العام 2027، وهو ما قد يعرّض أي اتفاق حالي للخطر إذا ما لقي لاحقاً معارضة شعبية أو برلمانية. وانطلاقاً من هنا، طُرح في وقت سابق قيام شركات خاصة بهذه المهام، وهو أمر رفضه لبنان. أما اليوم فيجري البحث عن دولة يكون نظامها أكثر مرونة، بما يسمح لرأس الدولة باتخاذ القرار، بهدف الإسراع في إطلاق عملية التحقق التي ستسمح بإعادة انتشار الجيش اللبناني ضمن جدول زمني يط