من مخيمات اللجوء الفلسطيني -الرمل في اللاذقية حيث وُلد عام 1972، ثمّ اليرموك- إلى أزقّة دمشق، قطع حسام أبو حامد طريقاً طويلاً: مهندسٌ مدنيٌّ تركَ الهندسة إلى الفلسفة، فدرّسها نحو عشرين عاماً قبل أن يتفرّغ للصحافة، ثمّ يغادر إلى قطر عام 2021. في مجموعته القصصية "أحوال ليست شخصية... قصص المدن المُتعَبة"، يقلب لغة الأحوال المدنية على السلطة: السجلُّ والختمُ والإحصاءُ تصير مجازاً لمأساةٍ جماعية، تمتدّ من زمن "القائد" إلى ما بعد سقوطه. هنا نحاوره في الكتابة والذاكرة، والاستبداد الذي قد يُورَّث. نبدأ من قبل النصّ. وُلدتَ في مخيم الرمل في اللاذقية عام 1972، ثم استقر بك المقام في مخيم اليرموك ثم في دمشق المدينة، حيث درَستَ الفلسفة، قبل التفرغ للعمل في الصحافة، غير أنّ "أحوال ليست شخصية" تنزل من فضاء المقال والتجريد وتتجاوز قاعات الدراسة إلى أزقّة الأحوال المدنية ودوائر النفوس وحاراتِ الفوقاني والتحتاني. حدِّثنا عن البيئة التي تشكّلتَ في داخلها وكيف ترشح اليوم في تفاصيل لغتك وخياراتك. لماذا اخترتَ القصّ الآن تحديداً، بعد أن سقط ما سقط، منبراً لما عجز المقالُ عن قوله؟ وُلدت في مخيم الرمل في اللاذقية، ثم انتقلت إلى جوبر وعمري نحو سنتين، وبقيت علاقتي متردّدة بمسقط رأسي. كانت جوبر مساحة معلقة بين مدينة مكتملة وقرية خالصة. هناك درست المرحلة الابتدائية حتى الصف الرابع في مدرسة اليازور التابعة لـ"أونروا". بعد ذلك سافرت مع والدَيّ إلى السعودية، ثم عدت إلى سورية لاستقرّ سنواتٍ في مخيم اليرموك قبل أن أبدأ التنقّل بين أحياء مدينة دمشق. لذلك لم أعرف المدينة بوصفها مكاناً مستقراً ونهائياً بقدر ما عرفتها من أطرافها، من المسافات التي تفصل بين أحيائها، وربّما من فارق جوهري بين أن سكنى المكان والانتماء إليه. نشأ المخيم أصلاً بوصفه "مؤقّتاً"، ثمّ تحوّل مع الزمن إلى عالم كامل بذاكرة ولهجة وعلاقات وهموم خاصّة، لكن، بعد "أوسلو" وتهميش قضية اللاجئين الفلسطينيين، تحوّل المخيم تدريجياً إلى فضاء مغلق نفسياً واجتماعياً يعيد إنتاج حدوده داخلنا. لم يكن خروجي إلى دمشق مجرّد نقلة في المكان؛ هو رحلة أخرى اختبرت فيها أن يعيد الإنسان تعريف علاقته بهُويّته وذاكرته. بالإضافة إلى المخيم، تركتْ جوبر، الملاصقة لحي العبّاسيين الدمشقي، ببساتينها أثراً مهماً في تكويني. كانت في منتصف المسافة بين الريف بعلاقاته التقليدية واتساع المدينة. يظهر هذا النوع من الأمكنة بوضوح في مجموعتي القصصية، إذ تمرّ بنا أحياء لا تعرف إن كانت جزءاً من المركز أم على هامشه، ونلقى أناساً يسكنون في المدينة مع شعورهم بأنهم خارجها. تبدو "المدن المتعبة" كيانات لم تكتمل بعد، تتوسّع عمرانياً، لكنّها تظلّ من دون أن تتسع إنسانياً. درست الهندسة المدنية قبل أن أتركها وأدرس الفلسفة. لم أشعر أن المسافة بينهما قطيعة كاملة. إذ تعلمك الهندسة كيف تُبنى البيوت وتشيّد المدن، وتسألك الفلسفة عن الأفكار التي تقوم عليها المجتمعات، وعن الكيفية التي انهارت بها. أدركت أن التصدّع لا في الجدران فقط، وأن الشرخ الأكبر يكمن في الثقة بين الناس، وفي لغتهم، وفي نظرة كل جماعة إلى الأخرى. وإن تسنى لك ترميم بيت متصدّع، فلن تتمكن من ترميم ذاكرة مدينة. وفرّت لي دراسة الفلسفة، وتدريسها طوال نحو عشرين عاماً، أدوات السؤال والتحليل، لكنّه في الوقت نفسه كشف لي حدود التجريد الفلسفي، وإن كان المقال يناقش السلطة والحرب والتحوّلات السياسية، فإنّ القصص تستطيع أن تضع هذه الأسئلة داخلنا، وفي الغرفة الضيّقة التي نحتمي داخلها، وأمام موظف بأختام رسمية. حين اندلعت الثورة (2011) بقيت في سوريا عشر سنوات قبل أن اضطر إلى الخروج إلى قطر في العام 2021. مع ذلك، لم أكتب قصصي من مسافة "آمنة" توفّر لي ذاكرة باردة. عشت تبدّل المدن. عايشت خوفها وتغيّر العلاقات، وانتقال الحواجز الأمنية من الشوارع إلى نفوس الناس. لامست كيف غيّرت الحرب معنى الجار والطرق والأحياء والأسماء، وكيف تشبّعت تفاصيل الحياة اليومية سياسةً وموتاً... دفعتني تلك التفاصيل إلى كتابة القصص. لم يعجز المقال تماماً، لكني اخترت القصة لأن هناك طبقة من التجربة لا يستطيع المقال أن يصل إليها من دون أن يفسدها شرحاً وتحليلاً. فبعكس المقال، لا تحتاج القصة إلى موقف واضح وحجج ونتيجة، فالحرب ليست واضحة ولا مرتّبة، هي مليئة بأشخاص يفعلون الشيء ونقيضه، وبغضب يحمله الضحايا بينما يعود الجلّادون إلى بيوتهم آباء عاديين، وبأناس ينجون بأجسادهم لكنّهم يظلّون محاصرين بالخوف وقتاً طويلاً. فتح سقوط النظام سؤالاً جديداً: ماذا سقط فعلاً؟ هل انتهى الاستبداد أم ظلّ يسكن اللغة والطائفية والرغبة في الإقصاء والسردية الواحدة؟ قد يناقش المقال هكذا أسئلة، أما القصة فتلاحقها في أثرها الإنساني داخل البيوت، وفي الذاكرتين الفردية والج