لا تتخلى إسرائيل عن خططها القديمة. تسعى إلى تطويرها وتوسيع إطارها ولو مرّ الزمن عليها. تنبش من دفاتر التاريخ تجربة عمل هنري كيسنجر على ترسيخها بين تل أبيب وحافظ الأسد في سبعينيات القرن الفائت، لكنها الآن تريد لها أن تطبقها مع تركيا في سوريا. حرب إسرائيل في المنطقة مستمرة. هدفها معلن ومعروف، وهو مواصلة الحرب على إيران لإسقاط النظام، إضافة إلى القضاء على حركة حماس وحزب الله وفق ما صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يمكن لهذه الحرب أن تطول كثيراً، ويمكن للأهداف أن لا تتحقق، لكن إلى جانبها يبقى الصراع قائماً بين إسرائيل وتركيا وخصوصاً في سوريا. تواصل إسرائيل مساعيها لإقناع الولايات المتحدة الأميركية بشن حرب واسعة وقاسية على إيران، وتكون الحرب خاطفة مشتركة بين واشنطن وتل أبيب لاستهداف جبل الفأس، والمنشآت النووية الأخرى بالإضافة إلى استهداف منشآت الطاقة والكهرباء ومواقع حيوية جداً. يعمل الإسرائيليون على تحديد الأهداف، وربما يفكرون بالتحرك بشكل منفرد ولو لم تسبقهم الولايات المتحدة إلى ذلك. على الأرجح، كل هذه الخيارات ستطرح خلال زيارة نتنياهو إلى نيويورك وسط مساع للقاء ترامب ومسؤولين أميركيين آخرين. بحال شن ترامب ونتنياهو الحرب على إيران، ستبقى الأنظار بعدها متجهة إلى تركيا أو حلف مكة، فإسرائيل تريد تفكيك هذا الحلف، وستواصل مواجهتها غير المباشرة لأنقرة، بينما ساحة المواجهة ستكون سوريا. على الأرجح، لن تكون إسرائيل قادرة على خوض كل هذه الحروب على كل الجبهات، وطبعاً لا يمكنها مواجهة إيران وبعدها الانتقال إلى مواجهة عسكرية ضد تركيا، فالأخيرة أحد أبرز أعضاء حلف الناتو، وتتمتع بعلاقة قوية جداً مع الولايات المتحدة وإدارة ترامب تحديداً، كما أن أنقرة نجحت في توسيع نفوذها على مستوى المنطقة. قد تختار إسرائيل الحرب بالوكالة وخصوصاً في الساحة السورية، من خلال تكثيف الاعتداءات وتوسيع نطاق الاحتلال. في السياق، تتسرب معلومات عن أن إسرائيل طرحت فكرة تقاسم النفوذ في سوريا مع تركيا، والمجال الحيوي الذي تريده مقابل نيل تركيا حصتها من مجالها الحيوي. ترافق طرح إسرائيل مع تكثيف التسريبات الإعلامية التي تتهم فيها سوريا بالعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية وتطوير الجيش ووضع ذلك في سياق الاستعداد للحرب ضدها. وبحسب ما تسرب من معلومات فإن إسرائيل عرضت أن يكون مجال نشاطها الحيوي العسكري هو خط القنيطرة، درعا، دمشق، حمص وطرطوس. أما المجال الحيوي لتركيا فيمتد من حلب إلى حماه فالحسكة والرقة ودير الزور. ويتضمن الطرح الإسرائيلي فتح مرور آمن من الجولان إلى السويداء، إلى جانب نشر قوات أمنية في المحافظة. وبحسب المعلومات، فإن تركيا رفضت النقاش في هذا المقترح، معتبرة أن سوريا دولة ذات سيادة. الفكرة الإسرائيلية هي نفسها التي عمل هنري كيسنجر على بلورتها مع حافظ الأسد في سبعينيات القرن الفائت، وعلى أساسها دخل الجيش السوري إلى لبنان في العام 1976، بينما بدأ الاجتياح الإسرائيلي للجنوب في العام 1978، واستكمل في العام 1982 وصولاً إلى بيروت. كان الاتفاق ينص على أن لا تتخطى القوات السورية حدود نهر الأولي، ولكن مع الاجتياح الإسرائيلي فإن القوات الإسرائيلية عملت على إخراج القوات السورية من صيدا، جزين، ومن كل تلك المناطق ودفع القوات السورية إلى شمال المصنع وشمال طريق البقاع بيروت. وقد حصلت صدامات ومواجهات بين الجيشين. وعليه، فحتى لو تم الوصول إلى مثل هذا التفاهم بين تركيا وإسرائيل فهو لن يلغي احتمالية الصدام، أو استمراره بالوكالة. إسرائيل التي تستعيد أفكاراً وتجارب قديمة، يمكنها أن تستحضر أيضاً مشاريع تغذية الصراعات الداخلية. فإصرارها على التدخل بالسويداء، وتوسيع نطاق سيطرتها في جنوب لبنان لدمج الجغرافيا اللبنانية مع السورية، قد تعود من خلالها إلى فكرة فتح مسارات وممرات تربط المناطق الدرزية بين لبنان، سوريا والجولان. وهنا قد تعتبر إسرائيل أن ذلك سيدفع جماعات أخرى للتفكير في بناء كانتوناتها، خصوصاً في ظل الصراع السياسي القائم في لبنان، وفي ظل استمرار الضغط الإسرائيلي على الجيش اللبناني للدخول في مواجهة ضد حزب الله. وبما أن الجيش يرفض ذلك، فستلجأ تل أبيب إلى أساليب جديدة. هنا ثمة ورقة أساسية ستستخدمها وهي اعتبارها أن مجموعة واسعة من الشعب اللبناني لا ترضى عن أداء الجيش في كيفية التعامل مع حزب الله، وأنه بحال عدم القيام بتفكيك سلاحه والسيطرة على مناطقه، فإن هذه المجموعات ستطالب مجدداً بالتقسيم. لا يمكن إغفال المخطط الجهنمي الذي تمارسه إسرائيل بحق أهل الجنوب الذين عملت على تهجيرهم. فحوالى 250 ألف مواطن لبناني أو أكثر خسروا منازلهم بشكل كامل بفعل تدميرها، وهذا الرقم مرشح للارتفاع طالما أن إسرائيل تمنع الناس من العودة إلى قراهم. ذلك على المدى البعيد سيؤسس لتغيير ديمغرافي و