يتجه ملف الأموال التي حُوّلت من المصارف اللبنانية إلى الخارج عشية الانهيار المالي وبعده إلى مرحلة قضائية جديدة، إذ تبدأ النيابة العامة المالية اعتباراً من يوم الاثنين الاستماع إلى عشرات المصرفيين، بعدما طلبت من حاكم مصرف لبنان تزويدها بكشوفات مفصلة عن حساباتهم، على خلفية العمليات التي نُفذت في وقت كان معظم المودعين عاجزين عن الوصول إلى أموالهم. وبحسب مستند رسمي، يأتي الطلب في إطار تحقيقات أولية تجريها النيابة العامة المالية بشبهة حصول جرائم جزائية، من بينها جرائم مصرفية. ويشمل التدقيق رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف التجارية العاملة في لبنان، الحاليين والسابقين، إضافة إلى المديرين على مختلف المستويات، ومن بينهم مديرو الإدارات العامة والفروع والمفوضون بالتوقيع. كما توسع الطلب ليشمل أزواج هؤلاء وأولادهم، بهدف التدقيق في طبيعة التحويلات وتوقيتها وهوية المستفيدين منها، وما إذا كانت قد تمت وفق القواعد المصرفية المعتادة، أو استفادت من نفوذ سياسي أو مالي، أو من معلومات مسبقة عن قرب فرض القيود على السحوبات والتحويلات. ولا يعني بدء جلسات الاستماع يوم الاثنين توجيه اتهامات أو صدور قرارات ظنية، بل يشكل خطوة أولية لجمع الإفادات ومقارنة البيانات المصرفية وتحديد المسؤوليات المحتملة. إلا أن توسيع دائرة التحقيق لتشمل عشرات المصرفيين وأفراد عائلاتهم يمنح الملف حجماً مختلفاً، بعدما بقيت قضية التحويلات الخارجية طوال السنوات الماضية موضع اتهامات سياسية ومطالبات شعبية من دون مسار قضائي واسع وشفاف. ووفق المستند، يغطي التدقيق الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني 2019 حتى 1 كانون الثاني 2023، ويتناول جميع التحويلات من الحسابات المشمولة إلى حسابات مصرفية خارج لبنان، مع تحديد قيمة كل تحويل وتاريخه، وتاريخ إيداع الأموال المحولة، واسم المصرف والفرع، ورقم الحساب، والهوية الكاملة لصاحب الحساب وصفته، إضافة إلى الجهة التي حُوّلت إليها الأموال. ولا يقتصر التحقيق على التحويلات المباشرة إلى الخارج، إذ طلبت النيابة أيضاً بياناً منفصلاً بالتحويلات التي خرجت من حسابات المشمولين إلى حسابات أخرى داخل لبنان، قبل أن يعمد أصحاب تلك الحسابات إلى تحويلها لاحقاً إلى الخارج. ويفتح هذا الجانب الباب أمام تتبع الحسابات الوسيطة وكشف المستفيدين الفعليين من الأموال. وتكمن حساسية الملف في أن الفترة المشمولة بالتدقيق بدأت قبل أشهر من اندلاع الأزمة المالية، وامتدت خلال السنوات التي فرضت فيها المصارف قيوداً على أموال المواطنين من دون قانون واضح، بينما تمكن سياسيون ومساهمون وكبار العملاء، وفق الاتهامات المتداولة، من إخراج مبالغهم إلى الخارج. وتطرح التحقيقات المرتقبة أسئلة أساسية: هل ستقتصر الملاحقة على الموظفين الذين نفذوا العمليات، أم ستصل إلى أعضاء مجالس الإدارة والمستفيدين الفعليين؟ وهل ستكشف الحسابات العائلية والوسيطة عن تحويلات نُفذت لمصلحة مساهمين ومديرين وأشخاص نافذين بعد بدء الأزمة؟ كما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بإمكان استعادة الأموال إذا أثبت التحقيق أنها خرجت بصورة غير قانونية، أو أن أصحابها حصلوا على معاملة تفضيلية على حساب بقية المودعين. وبين الاستماع والادعاء مسار قضائي طويل، لكن انطلاق جلسات الاستماع يوم الاثنين، وفتح الملف بهذه السعة، والتدقيق في التحويلات المباشرة وغير المباشرة طوال 4 سنوات، قد تشكل أول اختبار فعلي لمدى قدرة القضاء على الانتقال من توصيف الانهيار إلى ملاحقة المسؤولين والمستفيدين منه.