في ظل تمسّك لبنان بانسحاب الاحتلال الصهيوني من أراضيه، يطرح المسار التفاوضي أسئلة تتجاوز حدود الحوار نفسه، ولا سيما مع استمرار فرض وقائع جديدة على الأرض، ومع تأكيد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، أن الانسحاب يمثل ثابتًا وطنيًا، تبرز إشكالية أساسية تتعلق بقدرة المفاوضات على تحقيق هذا الهدف في وقت تستمر فيه الوقائع العسكرية في تغيير المشهد الميداني. فعندما تتغير الجغرافيا بالقوة، بينما تنتظر السياسة التوصل إلى تسوية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو هل تقود المفاوضات إلى إنهاء الاحتلال، أم تتحول تدريجيًا إلى وسيلة لإدارة واقع فرضه الاحتلال؟ في هذا السياق، يرى المحلل السياسي، رائد ناجي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التفاوض باعتباره أداة من أدوات السياسة، وقد يصبح ضرورة في لحظات معينة، وإنما في الوظيفة التي يؤديها، فحين ينتقل التفاوض، بحسب ناجي، من كونه وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى وسيلة لإدارته، ومن آلية لاستعادة السيادة إلى مسار للتفاوض على مقدار السيادة التي يمكن استعادتها، تكون العملية السياسية قد ابتعدت عن هدفها الأساسي. الاحتلال يسبق التفاوض بالوقائع حين تُفرض الوقائع العسكرية قبل بدء الحوار فإنها قد تتحول لاحقًا إلى أوراق تفاوضية، ما يجعل السيطرة على الأرض عنصرًا حاسمًا في تحديد مخرجات أي تسوية. ويشير رائد ناجي إلى أن الاحتلال يدخل عادة إلى المفاوضات من موقع متقدم، مستفيدًا من الوقائع التي فرضها ميدانيًا، فكل متر يُحتل وكل منزل تتم السيطرة عليه وكل موقع عسكري يُنشأ، يمكن أن يتحوّل لاحقًا إلى تفصيل مطروح على طاولة المفاوضات، حتى تصبح الجغرافيا نفسها قابلة للتفاوض، بعدما كانت جزءًا من أرض ذات سيادة. ويرى ناجي أن هذا النمط ظهر في محطات مختلفة من تاريخ الصراع العربي، من الأردن ومصر وصولًا إلى لبنان وفلسطين، حيث سبقت الوقائع الميدانية أحيانًا المسارات السياسية، وأصبحت لاحقًا جزءًا من حسابات التفاوض. لكن المعضلة الحقيقية، وفق قراءته، تظهر عندما يصبح المسار السياسي أبطأ من التطورات الميدانية، إذ إن استمرار تغيير الواقع على الأرض يمكن أن يعيد رسم شروط التفاوض قبل أن يبدأ أصلًا. ومن هنا يطرح ناجي المفارقة الأساسية، كيف يمكن بناء مفاوضات جدية حول الانسحاب، بينما تستمر الوقائع العسكرية في صناعة شروط هذه المفاوضات؟ وكيف يمكن مطالبة لبنان بانتظار نتائج الحوار، فيما تُرسم على الأرض معادلات جديدة لا تنتظر أحدًا؟ ويشير إلى أن هذه المعادلة تجعل الزمن نفسه عاملًا في الصراع، فكلما طال أمد الانتظار بالتزامن مع استمرار فرض الوقائع، أصبح من الصعب فصل عملية التفاوض عن الواقع الذي تشكّل خلالها. ميزان القوة يحسم قدرة المفاوضات لا تكفي الرغبة في التفاوض لتحقيق الانسحاب، فالمفاوضات تحتاج إلى أوراق قوة تمنح الطرف المطالب باستعادة أرضه قدرة فعلية على التأثير في النتائج. ويؤكد رائد ناجي أن المفاوضات يمكن أن تدفع الاحتلال إلى الانسحاب عندما تستند إلى ميزان قوة، وضغط سياسي ودولي حاسم وغير منحاز، أما في حال غياب هذه العناصر فقد تتحول المفاوضات، بحسب رأيه، إلى عملية طويلة الأمد لإعادة تعريف الاحتلال بدل إنهائه. ويضيف أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود طاولة تفاوض، بل بمن يدخل إليها وهو يمتلك القدرة على فرض مطالبه وتحويلها إلى التزامات على الطرف الآخر، ومن يملك في النهاية القدرة على تحديد شروط الانسحاب. فإذا كان أحد طرفي التفاوض يمتلك القدرة على تغيير الوقائع ميدانيًا، فإن الخطر يكمن في أن يتحول هذا التفوق إلى قدرة على تحديد شروط التسوية نفسها. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: من يملك القدرة على تحديد شروط الانسحاب؟ فإذا كان الاحتلال هو الطرف الذي يغيّر الجغرافيا ويفرض الوقائع، ثم يدخل إلى المفاوضات مطالبًا بثمن التخلي عما احتله، فإننا، وفق هذا المنطق، لا نكون أمام مفاوضات على الانسحاب وإنما أمام مفاوضات على مساحة الاحتلال. وهنا يكمن الخطر الأكبر، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط ببقاء قوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، وإنما بإمكانية أن يتحول الاحتلال نفسه إلى موضوع قابل للتفاوض والتجزئة والتأجيل. الفارق بين المسارين يبدو واضحًا، هناك مفاوضات يكون هدفها استعادة السيادة وإنهاء الاحتلال وأخرى تنتهي إلى إدارة واقع الاحتلال والتعامل معه باعتباره أمرًا قائمًا. وفي هذا السياق، فإن تمسّك لبنان بالانسحاب كهدف ثابت يضع أي مسار تفاوضي مقبل أمام اختبار حقيقي، فالمطلوب ألا تتحوّل المفاوضات إلى غطاء لتكريس الوقائع العسكرية بل إلى أداة لإزالتها وإنهاء الاحتلال. وبحسب منطق رائد ناجي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الاحتلال نفسه قابلًا للتفاوض والتجزئة والتأجيل، عندها لن تكون المشكلة في استمرار الاحتلال فحسب، بل في تحوله إلى واقع سياسي يجري الت