تستبق إسرائيل جولة المفاوضات المرتقبة في تشرين الأول المقبل بالتصعيد الميداني المُكثف على طول الجبهة الجنوبية في لبنان. وهي تنتقل إلى فرض واقع جغرافي وعسكري جديد ضمن حدود "الخط الأصفر"، عبر سياسة "الترهيب بالنار والقنابل الصوتية" واقتحام نقاط الجيش اللبناني، بالتوازي مع التمدد البري نحو نقاط حاكمة كبلدة المنصوري الساحلية المشرفة على مدينة صور. وتُظهر وقائع اليوم عند أطراف بلدة دير ميماس تحولاً خطيراً في الأسلوب الإسرائيلي تجاه المؤسسة العسكرية اللبنانية. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الجيش اللبناني "أقام حواجز في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان من دون تنسيق مسبق، وقد أبعدنا عناصر الجيش اللبناني من المنطقة الأمنية، بعدما لم يستجيبوا لطلبنا". فقد تعمّدت القوات الإسرائيلية استخدام القنابل الصوتية واستعراض القوة عبر دبابات "الميركافا" لإرغام عناصر الجيش اللبناني على إخلاء موقع مستحدث كان يهدف لحماية الأهالي أثناء موسم قطاف الزيتون. وبادعاء أن النقطة تقع ضمن ما تطلق عليه تل أبيب "الخط الأصفر"، تسعى إسرائيل إلى فرض منطقة عازلة تُحرّم على الجيش اللبناني التواجد فيها، ورسم حدود ميدانية جديدة بقوة السلاح بعيداً عن أروقة الدبلوماسية. وعلى الرغم من إعادة تمركز الجيش في نقاط مجاورة كبرج الملوك، وانكفاء القوة الإسرائيلية لاحقاً نحو تل النحاس، إلا أن الاحتكاك المباشر يعكس نية تل أبيب تقويض أي انتشار فعلي للجيش يمنعها من تحريك خريطتها الميدانية.وتتكامل هذه التحركات البرية مع غارات مكثفة تمتد من النبطية الفوقا والقنطرة إلى عيتا الشعب والشريط الساحلي، مترافقة مع تحليق لا يهدأ للطيران المسيّر والحربي في عمق الأراضي اللبنانية. ويخدم هذا التصعيد أهدافاً إستراتيجية إسرائيلية عدة يمكن اختصارها بالسيطرة على النقاط الحاكمة، إذ يُشكل التقدم باتجاه بلدة المنصوري محاولة لإحكام السيطرة على تلال مشرفة على صور والمحور الساحلي، ما يمنح الاحتلال أوراق ضغط ميدانية واسعة. وتسعى قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي إلى حسم نقاط التمركز وتثبيت الخطوط الميدانية قبل حلول فصل الشتاء، وما يفرضه الطين والضباب كتحدٍّ لوجستي وعسكري أمام حركة الآليات والطيران. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى توجه لإدخال "ذراع الروبوتات" والأسلحة الذاتية التوجيه لتثبيت الوجود البري وتقليل الخسائر البشرية، ضمن ما يُسمى إسرائيلياً بـ "عقيدة الجبهات المفتوحة". وتندرج المزاعم العبرية حول وجود مستودعات أسلحة دقيقة وصواريخ لـ "حزب الله" بالقرب من القصر الرئاسي في بعبدا ضمن حملة تضليل تستهدف سلب "لحماية السيادية" عن المؤسسات اللبنانية وتأمين شرعية دولية مسبقة لضربات يمكن أن تطال العمق اللبناني.كما تسعى إسرائيل وحلفاؤها إلى تقويض تمديد المهمة التقليدية لقوات "اليونيفيل" المرتقب حسمها نهاية العام، والدفع نحو إنشاء مهمة أمنية أوروبية جديدة تُركز على إنفاذ نزع السلاح ومراقبة الحدود، وهو ما يواجه برفض لبناني وتمسك بتمديد الترتيبات الحالية وفق القرار 1701. دير ميماس: اختبار جديد لحدود انتشار الجيش ولم ينتهِ احتكاك دير ميماس عند إخلاء النقطة المستحدثة. فبعد تراجع الجيش اللبناني منها وتمركزه عند الطريق العام في برج الملوك، عادت القوات الإسرائيلية وتمركزت في الموقع لفترة، قبل أن تغادر لاحقاً باتجاه تل النحاس. وفي المقابل، أعاد الجيش اللبناني تثبيت وجوده في المنطقة وتمركز في نقطة ثانية إلى الشمال الشرقي من الموقع الذي أخلاه، في إشارة إلى أن الخلاف لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل بات مرتبطاً بمسألة أوسع تتعلق بحدود الحركة والانتشار المسموح بها لكل طرف في المنطقة الحدودية. وكانت مصادر عسكرية قد أكدت أن معالجة الإشكال جرت عبر "الميكانيزم"، بعدما اقتربت القوة الإسرائيلية من عناصر الجيش وحصل احتكاك من دون تبادل لإطلاق النار، قبل أن ترمي القوات الإسرائيلية قنابل صوتية في محيطهم. وتعكس هذه الواقعة بصورة عملية الخلاف على تفسير حدود المنطقة التي تريد إسرائيل تكريسها باعتبارها "منطقة أمنية"، في مقابل تمسك الجيش اللبناني بحقه في الانتشار داخل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً في المواقع المرتبطة بحماية المدنيين وتأمين تحركاتهم. القصف يتسع من المنصوري إلى بنت جبيل بالتوازي، واصلت إسرائيل توسيع الضغط الناري على أكثر من محور. فقد تعرضت المنصوري والنبطية الفوقا لقصف مدفعي، فيما أدى القصف على منطقة شقرا في قضاء بنت جبيل إلى إصابة شخصين. كذلك نُفذ تفجير إسرائيلي عند أطراف عيناتا، واستمر القصف على نهر زوطر، فيما طالت قذائف منطقة السوسة عند أطراف حاريص، واندلعت النيران في منزل في حداثا جراء القصف المدفعي. وترافق ذلك مع تحركات برية إسرائيلية إضافية، إذ تقدمت آليات من بلدة الطيري باتجاه أطراف حداثا لجهة حاريص، بما يوسع رقعة