معركة تبدو كأنها حتمية وقريبة في سوريا: المعتدلون بمواجهة المتشدّدين. في سوريا جناحان، جناح معتدل تمثّله السلطة والرئيس السوري أحمد الشرع، يسيطر على مركز القرار، ذو خلفية دينية إسلامية ولكن يعمل بعقلية منفتحة براغماتية خاصة على المستوى الخارجي، وعارف بطبيعة المجتمع السوري المتنوع. وجناح آخر متشدد إسلامياً يعمل بعقلية إيديولوجية ويحاول الدفع نحو إرساء حكم إسلامي. هذه المواجهة ظهرت بشكل واضح قبل حفل أصالة الفنّي في دمشق، والذي كان برعاية وزارة الثقافة. ارتفع صوتان في سوريا، الأول كان مؤيداً ومرحباً بالحفل وعودة أصالة، وكان على رأسه الشرع، تمكّن من تنظيم الفعالية. لكن على المقلب الآخر، لاقى الحفل ومعه رعاية وزارة الثقافة انتقادات واعتراضات من أوساط سياسية واجتماعية ودينية متشدّدة. لكن الخلاف بين الطرفين جوهري وأعمق من ذلك. الجناح المعتدل يمتلك مركزية القرار. بالمقابل، الجناح المتشدّد يحاول التشويش والدفع باتجاه سياسات أكثر تشدداً على المستوى السياسي والقانوني، وجعل الحكم أكثر اسلاموياً، ويريد تعاطياً أكثر تشدداً مع الأقليات، كما يرفض مظاهر التنوع الثقافي والتجدد كحفل أصالة، وينتقد سياسة الانتفاح الخارجي، لا سيما على الغرب والولايات المتحدة. جناح الاعتدال ووعي بحقيقة سوريا المعتدلون يعرفون واقع سوريا وتعدديتها وكثرة مجتمعاتها واختلافاتها المذهبية والثقافية، ويعرفون أن أي تشدد وتوجه نحو الحكم الديني سيمهد نحو التقسيم بشكل أو بآخر. الأقليات لن توافق على حكم إسلامي متشدّد، ونسبة من المسلمين في دمشق وحلب أيضاً، وهم معروفون باعتدالهم وانفتاحهم وعلاقاتهم التجارية والذين يختلفون عن سنّة الأطراف في إدلب والجزيرة العربية. أي تشدّد في الحكم وتطبيق للشريعة الإسلامية سيولّد ضغطاً في الشارع السوري، وسيزيد من النزعات الانفصالية لدى الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، كالمسيحيين والدروز والعلويين والأكراد. التشدد في التطبيق والذي سيقابله رفض سينتج دوامات عنف لا تنتهي تهدد استقرار سوريا ووحدتها وتسمح لأطراف خارجية بالتدخل والاستثمار بالواقع. الجناح المتشدد انطلق من أفكار إسلامية إيديولوجية عميقة، يمثّل بشكل عام سنّة الأطراف الذين اختبروا التهميش على مدى أكثر من 50 عاماً في ظل حكم حافظ وبشّار الأسد. لم ينخرط بعلاقات قوية مع مجتمعات ثقافية أخرى موجودة في سوريا نسبة لتواجده عند الأطراف. يجد هذا المجتمع في إسقاط الأسد وسوريا الجديدة فرصة لتطبيق الحكم الإسلامي والتوجه نحو نماذج سلطة أكثر تشدداً. انتقد هذا الجناح انفتاح سوريا على الغرب وأوروبا، ووجّه ملاحظاته للسياسة الخارجية السورية الجديدة. وعلى المستوى الداخلي، يفضّل هذا الجناح اعتماد سياسات اسلامية أكثر تشدداً وتطبيقاً أكثر حزماً، واستخداماً للقوّة عندما يتعلّق الأمر بالأقليات. وأسلوب هذا الجناح ظهر مراراً، وخصوصاً في أحداث الساحل، حينما اتجهت فصائل إدلب لحسم الاشتباك. حتى الحين، لا زال الصراع الخفي بين الاتجاهين مضبوطاً بسقف واضح. الجناح المعتدل غالب، والمواجهة لا تتعدى الانتقادات وتوجيه الملاحظات من المتشددين، وثمة ترجيحات بأن تركيا تلعب دوراً في ضبط هذه المواجهة. لكن تطور هذه المواجهة لتصبح سياسية وأكثر حدةً أمر قابل، وكذلك الأمر لأن تقع مواجهات عسكرية. ويمكن الانطلاق من واقع الصراع بين السلطة الحالية و"داعش" رغم الخلفية الاسلامية لكليهما. ورغم توحيد التشكيلات العسكرية في وزارتي الدفاع والداخلية، لكن هذا التوحيد هش. فالكثير من الفصائل انضمت كمجموعات وليس عناصر، وقادرة على الانفصال عن الجيش والأمن العام وتشكيل حالة اعتراض، وتشكيلات أخرى لا زالت متواجدة بشكل مموّه، خصوصاً في الشمال. وظهرت هذه النماذج في اشتباكات الساحل حينما تدخّلت فصائل متعدّدة موالية للسلطة. الكثير من هذه الفصائل تحمل أفكاراً متشدّدة، وخلفياتها معتقدات جهادية. هذه الفصائل موالية للسلطة، لكن تحرّكها هيئات اجتماعية ودينية. هذه الهيئات، ومعها هذه التشكيلات، تعترض بشكل ملحوظ ولكن بسقف مضبوط على سياسات السلطات. تظاهرات إدلب والجزيرة العربية خلال الأسبوعين الماضيين كانت لافتة، ويبدو أنها رسائل سياسية من الجناح المتشدّد للسلطات السورية. إلّا أن هذه المواجهة بين جناحي الاعتدال والتشدّد قد تنفجر فيما بعد، أو قد تمهد لتقسيم مبطّن دون انفجار واسع، فترسّخ كل جماعة نفوذها في منطقتها في سوريا. ثمّة تقديرات بأن مواجهة "الاعتدال - التشدد" محتومة، فبعد انتهاء السلطات من ترتيب ملفات الأقليات، سيتحول الصراع في سوريا بين معتدلين في السلطة ومتشدّدين يدورون حول حلقات السلطة بنفوذ واسع. في المحصلة، محور الصراع في حال وقع سيكون بين سياستين: سياسة اعتدال تنتهجها السلطة السورية الحالية، وعلى رأسها الشرع، وسياسة تشدّد يريد أصحاب الخلفيات الجه