لم تعد الدولة متفرجة على ارتفاع سعر البنزين، بل أصبحت شريكة مباشرة فيه. فجدول تركيب الأسعار الصادر في 18 أيلول 2026 يكشف أن الخزينة تحصل على أكثر من 600 ألف ليرة من كل صفيحة بنزين 95 أوكتان، فيما تتمسك الحكومة برسم الـ300 ألف ليرة رغم القفزة الكبيرة في الأسعار العالمية. وبلغ سعر الصفيحة 2,810,000 ليرة، منها 1,987,700 ليرة كثمن للبضاعة المستوردة، مقابل 323,092 ليرة رسوماً، و278,468 ليرة ضريبة على القيمة المضافة. وبذلك يصل ما تحصّله الدولة مباشرة إلى نحو 601,560 ليرة عن كل صفيحة، أي 21.4% من السعر النهائي. لكن المفارقة أن رسم الـ300 ألف لا يكلّف المواطن 300 ألف فقط. فهذا الرسم يدخل ضمن السعر الخاضع للـTVA بنسبة 11%، ما يضيف إليه 33 ألف ليرة أخرى. أي إن الرسم الذي أعلنته الحكومة بقيمة 300 ألف يتحول فعلياً على فاتورة المواطن إلى نحو 333 ألف ليرة. وكان مجلس الوزراء قد أقرّ هذا الرسم في جلسته المنعقدة في 16 شباط 2026، ودخل حيّز التنفيذ في اليوم التالي، ضمن حزمة هدفت إلى تمويل زيادات القطاع العام. لكن القرار اتُّخذ عندما كان سعر الصفيحة أدنى بكثير، قبل أن تقفز أسعار البنزين المكرر وكلفة الشحن والتأمين ومخاطر الحرب، وترتفع الصفيحة إلى أكثر من 2.8 مليون ليرة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا تتراجع الحكومة مؤقتاً عن الرسم، أو تخفّضه تلقائياً عندما تتجاوز الأسعار سقفاً محدداً؟ فإلغاء الـ300 ألف اليوم، مع إسقاط الـTVA المترتبة عليها، يمكن أن يخفض سعر الصفيحة بنحو 333 ألف ليرة، لتتراجع من 2,810,000 إلى قرابة 2,477,000 ليرة، من دون المساس بثمن البنزين العالمي أو عمولة المحطة أو كلفة النقل. المطلوب ليس إلغاء إيرادات الدولة بصورة دائمة، بل اعتماد رسم متحرك يرتفع عندما تنخفض الأسعار العالمية ويتراجع عندما ترتفع، بدلاً من جمع ضريبة ثابتة فوق سعر ملتهب ثم فرض TVA عليها. أما الإصرار على الرسم بصيغته الحالية، فيعني أن الدولة تستفيد مرتين: مرة من الرسم الثابت، ومرة من ضريبة القيمة المضافة التي ترتفع كلما ارتفع السعر. فهل وظيفة الحكومة حماية الإيرادات مهما بلغت كلفة البنزين، أم حماية المواطن عندما يصبح الوصول إلى العمل عبئاً مالياً بحد ذاته؟