أكدت الدكتورة أوغاريت يونان من مؤسسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان AUNOHR أن المعركة من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا تنطلق من رفض مبدأ العقوبة أو من تبرير الجريمة، بل من رؤية تعتبر أن الدولة لا يجوز أن تستخدم العنف نفسه الذي تدينه، مشددة على أن كل من يرتكب خطأ أو جريمة يجب أن يتحمل مسؤوليته، ولكن من دون أن تتحول الدولة إلى طرف يمارس القتل بموجب القانون. وخلال مقابلة ضمن برنامج "3:15 اجتماع" عبر شاشة "RED TV"، أوضحت يونان أن إلغاء عقوبة الإعدام ليس مساراً سهلاً، لأن القضية ترتبط بمبدأ أساسي يتعلق بكيفية تعامل الدولة مع العنف، وما إذا كانت تختار مواجهته بالعنف نفسه أو بوسائل غير عنفية. ولفتت إلى أن غالبية الشعوب في عدد كبير من الدول كانت في مراحل سابقة تؤيد عقوبة الإعدام، إلا أن ذلك لم يمنع هذه الدول من اتخاذ قرار بإلغائها، معتبرة أن التحولات المرتبطة بالحقوق تحتاج بطبيعتها إلى وقت طويل، ولا سيما عندما لا تكون هذه القضايا على رأس أولويات المجتمعات والسلطات، موضحةً أن "تغيير الحقوق بطيء لأن العالم لا يضعها كلها على جدول أعماله ولا يناضل من أجلها بالوتيرة نفسها". وأوضحت يونان أن الهدف الأساسي منذ انطلاق العمل على هذا الملف لم يكن تغيير النص القانوني بصورة مباشرة، لأن تعديل القانون يأتي، بحسب قولها، في المرحلة الأخيرة، فيما كانت الأولوية لترسيخ ثقافة ومبدأ اللاعنف داخل المجتمع. وشددت في الوقت نفسه على رفض الجريمة بصورة كاملة، قائلة: "الجريمة تبقى جريمة ونحن ضدها"، لكنها فرّقت بين رفض الجريمة ورفض عقوبة الإعدام، مؤكدة أن الاعتراض لا يعني رفض محاسبة مرتكب الجريمة. وقالت: "لسنا ضد العقوبة بل ضد عقوبة الإعدام لأن على كل إنسان يخطئ أن يتحمل مسؤولية خطئه". وأضافت: "أرفض أن تتساوى الدولة مع من يمارس العنف والأذى"، معتبرة أن إلغاء عقوبة الإعدام، يشكّل "حدثاً تاريخياً بالنسبة إلى المؤيدين والمعارضين على حد سواء". وتحدثت يونان عن المسار الطويل الذي خاضته الحملة في لبنان، مشيرة إلى أن العمل من أجل إلغاء عقوبة الإعدام ساهم عملياً في تجميد تنفيذها. ولفتت إلى أن إلغاء العقوبة كان يمكن أن يتحقق في مرحلة أبكر، موضحة أنه جرى تقديم مشروع قانون بهذا الشأن عام 2006، إلا أن التطورات التي شهدها لبنان لاحقاً أخّرت هذا المسار. وقالت: "كان من الممكن إلغاء عقوبة الإعدام سابقاً وقدّمنا مشروع قانون عام 2006 لكن الحرب التي اندلعت بعدها ثم الانقلاب والظروف الإقليمية والانهيارات التي عاشها البلد أخّرت هذا المسار". وأشارت إلى أن الانقسام حول القضية كان قائماً دائماً بين مؤيدين ومعارضين، مضيفة: "كان هناك من يعارض عقوبة الإعدام ومن يؤيدها". وكشفت يونان أن حملة إلغاء الإعدام أجرت استطلاع رأي خطياً شمل جميع النواب الـ128، وأظهر أن 74% منهم يؤيدون إلغاء العقوبة، إلا أن القضية لم تكن مدرجة ضمن جدول الأولويات السياسية والتشريعية. وفي مقاربتها الأخلاقية للقضية، شددت يونان على أن رفض الجريمة يجب أن يكون شاملاً، سواء ارتكبها فرد أو مارستها الدولة استناداً إلى نص قانوني. وقالت: "نحن نرفض الجريمة الأولى كما نرفض الجريمة الثانية التي ترتكبها السلطة بموجب القانون". وأكدت وقوفها إلى جانب أهالي الضحايا، قائلة: "نحن مع أهالي الضحايا وندعم حقوقهم"، داعية في الوقت نفسه إلى إعادة النظر في النظرة إلى المطالبين بإلغاء الإعدام. وأضافت: "يجب أن يعيدوا النظر في موقفهم مما نقوم به فنحن لسنا ضد العقوبة". ولفتت يونان إلى أن عقوبة الإعدام في القانون اللبناني لا ترتبط حصراً بجرائم القتل، بل يمكن أن تطال جرائم أخرى حتى في الحالات التي لم تقع فيها جريمة قتل. وتوقفت عند موقف أهالي الضحايا، معتبرة أن رفضهم الطبيعي للجريمة يطرح سؤالاً حول قبولهم بقيام الدولة بالفعل نفسه تحت عنوان تنفيذ القانون. وأضافت: "أرفض أن يتساوى أهالي الضحايا مع المجرمين". وفي ما يتعلق بإعادة التأهيل، رفضت يونان التعميم بأن كل شخص محكوم سيعود بالضرورة إلى ارتكاب الجريمة بعد خروجه من السجن، قائلة: "ليس كل المحكومين يعاودون ارتكاب الجريمة بعد خروجهم إلى الحرية". كما شددت على ضرورة التمييز بين فهم أسباب الجريمة وبين تبريرها، موضحة: "لا نبرر الجريمة لكننا نسعى إلى فهم الأسباب التي أدت إليها". وأكدت يونان أن عقوبة الإعدام، وفق رؤيتها، لا تحقق الردع المطلوب، وقالت: "عقوبة الإعدام لا تشكّل رادعاً للجريمة". ورأت أن المشكلة تتصل أيضاً بالسياسات التي تعتمدها الدولة في التعامل مع الجريمة والمجرمين، معتبرة أن بعض الجهات تختار الحل الأسرع عبر الإعدام بدلاً من الاستثمار في عمليات إعادة التأهيل الفردي والمجتمعي. وبذلك، تضع يونان النقاش حول عقوبة الإعدام خارج إطار الانقسام التقليدي بين التساهل والتشدد، وتنقله إلى