عند مقارنة تشكيلة البرلمان الحالي في لبنان بالبرلمانات الأولى بعد الاستقلال، يتبين أن الوراثة لم تتراجع بمعناها البنيوي العميق، وإنما بدلت جلدها وأدواتها لتتكيف مع متطلبات العصر في لبنان الذي يفترض أن يكون جمهورية بنظام برلماني، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً لكن الأبسط، لماذا يتكرر اسم العائلة نفسه على المقعد النيابي أو زعامة الطائفة، عبر أربعة أجيال متتالية؟ قد يكون الجواب اللبناني الكلاسيكي جاهزاً "هيك البلد"، لكن خلف هذا التبرير تقف أرقام ودراسات تكشف عن أن الوراثة السياسية داخل لبنان ليست انطباعاً صحافياً، بل بنية موصوفة بالأرقام. فعند التمعن في الخريطة السياسية اللبنانية، يتبين سريعاً أن تداول السلطة لم يكن يوماً مجرد تنافس بين برامج انتخابية أو أحزاب أيديولوجية مجردة، بل كان، وفي كثير من مفاصله، صراعاً أو تحالفاً بين "بيوتات سياسية" تجر خلفها تاريخاً ممتداً عبر أجيال. ويعتقد خبراء كثر أن ظاهرة الوراثة السياسية في لبنان ليست مجرد ظاهرة تقودها رغبة العائلات في الاحتفاظ بالسلطة، بل نتيجة لغياب الدولة الوطنية الحديثة. وأنه ما دام المواطن يرى في "البيت السياسي" أو "الزعيم العائلي الطائفي" ملجأه للرعاية والأمان بدلاً من مؤسسات الدولة والقانون، ستظل الوراثة السياسية قابلة للتجدد. سليمان فرنجية (إلى اليمين) جالساً إلى جنب بيار الجميل (ا ف ب) تعود ظاهرة "البيوتات السياسية" في لبنان إلى ما قبل قيام الدولة نفسها. في نظام القائمقاميتين (نظام إداري وسياسي طُبق في جبل لبنان بين عامي 1842 و1861)، كانت المقاطعات موزعة على أمراء ومشايخ ومقدمين بالوراثة، آل أرسلان في الغرب الأسفل، آل جنبلاط في الشوف، آل الخازن في كسروان، آل حمادة في المنيطرة. وقد توارث لبنان هذه الزعامات من نظام إداري طائفي، عائلي قائم أصلاً، ثم كرسه صك الانتداب الفرنسي عام 1920، وبعده الميثاق الوطني عام 1943. والنتيجة أن "الحزب الأول" الذي ينتمي إليه أي نائب لبناني لم يكن أيديولوجياً بل طائفياً، والحزب الثاني كان العائلة، وزعيم الطائفة هو في الغالب زعيم البيت. الدكتور في التاريخ إيلي إلياس يشرح أنه منذ الاستقلال لم تكن السياسة اللبنانية مجرد تنافس بين أحزاب وبرامج، بل قامت إلى حد كبير على زعامات عائلية استطاعت الانتقال من جيل إلى آخر. ويتوقف عند انتخابات عام 1972، وهي من أكثر الانتخابات تنافسية في تاريخ لبنان، إذ بقي نحو ثلثي المقاعد في يد زعماء مستقلين، فيما لم تتمكن الأحزاب من إلغاء بنية الزعامة التقليدية. ويؤكد أن الأدوات بين القرن 19 واليوم تغيرت، لكن الوظيفة السياسية بقيت، من محاولات إصلاح عام 1861 للحد من نفوذ الأعيان، إلى مواجهة الرئيس السابق كميل شمعون لـ"الإقطاع السياسي" في الخمسينيات، وصولاً إلى انتخابات عام 1960، إذ دخلت الزعامات إلى الأحزاب ودخلت الأحزاب في منطق الزبائنية. ويتابع الدكتور في التاريخ عن مرحلة الحرب، موضحاً أن الزعامة انتقلت خلال تلك المرحلة في حالات عدة من المقعد النيابي إلى السلاح. ويشير إلى حالة رئيس الجمهورية بشير الجميل كاستثناء مهم، مؤكداً أن "بشير لم يكن مجرد وريثاً لزعامة بيار الجميل (مؤسس حزب الكتائب)". فقد خرج من إطار الوراثة العائلية، وأعاد صياغة القيادة الكتائبية ضمن مشروع سياسي وعسكري وشعبي أوسع، قبل أن يتحول إلى رمز قومي مسيحي تجاوز العائلة والحزب. يرى دكتور إلياس أنه بعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) عادت الوراثة السياسية بصور أكثر مباشرة، من رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري إلى ابنه سعد الحريري، ومن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط إلى نجله وليد جنبلاط واليوم نجل الأخير تيمور جنبلاط، ومن سلاسل عائلية أخرى حافظت على حضورها عبر الأجيال. ليخلص إلى أن الزعامة الوراثية في لبنان لم تختف، بل تغيرت أدواتها، وأن ما يورث ليس الاسم وحده، بل شبكة من العلاقات والمصالح والخدمات والزبائن. وكلما ضعفت الدولة، استعادت هذه الشبكات قوتها. تظهر دراسة أكاديمية أعدها الباحث وارد فلوبرغس بعنوان "الديناميات السلالية في لبنان، نقل السلطة السياسية داخل العائلة" عام 2016، عن السلالات السياسية اللبنانية، أن 26 عائلة فقط تحكمت بمقاعد رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحقائب الوزارية منذ عام 1920 حتى اليوم تقريباً، وأن بين عامي 1920 و1975، أي ما قبل الحرب الأهلية، استحوذت هذه العائلات على ثلث المقاعد النيابية، بينما احتكرت 211 عائلة مجموع المواقع النيابية والوزارية خلال تلك المرحلة. سبع عائلات فقط من الـ26 وصلت إلى رئاسة الجمهورية وهي سعد وإده والخوري وشمعون، وشهاب وفرنجية والهراوي. أما رئاسة المجلس النيابي فتوزعت بين عائلتين متصاهرتين هما الأسعد وحمادة، بمجموع نحو 38 دورة رئاسية بينهما. وفي بحث آخر للدكتور أنطوان مسرة يضيف بعداً أعمق، إذ يتبين أن 5