في "يلّا Unmatch"، تضع ريسا البرجي عالم المواعدة الحديث تحت المجهر، من الـ"ghosting" والـ"breadcrumbing" إلى الـ"situationship"، في حكاية آدم ويارا التي تلتقط بخفة وفكاهة ارتباك العلاقات في زمن تطبيقات التعارف. وبين عفوية جنى أبي غصن وخفّة عامر فياض، تتحول قصة شخصين جمعهما تطبيق للمواعدة إلى مرآة لأسئلة يعرفها جيداً جيل يحاول أن يفهم الحب وسط قاموس كامل من المصطلحات الجديدة. قبل أن يبدأ العرض، وجدتُ أمامي ورقة تشبه قاموساً صغيراً لعالم المواعدة اليوم: "roster dating"، "delusionship"، "situationship"، "love bombing"، "breadcrumbing" و"ghosting". مصطلحات قد تبدو غريبة على من يقف خارج هذا العالم، لكنها باتت بالنسبة إلى كثيرين تختصر مراحل كاملة من العلاقة، من لحظة التعارف الأولى إلى الاختفاء المفاجئ، مروراً بكل تلك المساحات الرمادية التي يصعب أحياناً حتى إيجاد اسم لها. قاموس جديد لعالم المواعدة. (النهار) بعد دقائق، يتضح أن الورقة ليست مجرد فكرة لطيفة مرافقة للعرض، بل مفتاح للدخول إلى عالم "يلّا Unmatch"، المسرحية التي كتبتها وأخرجتها ريّسا البرجي، وأنتجتها جنى أبي غصن التي تتقاسم البطولة مع عامر فياض، على خشبة ACT في مسرح مونو. الحكاية في ظاهرها بسيطة. آدم ويارا تعارفا عبر تطبيق للمواعدة، لكن علاقتهما لم تبدأ من صورة الحب الرومانسي التقليدية. ما يجمعهما في البداية أقرب إلى "partnership": هي تريد الخروج من الوحدة وبناء عائلة وتبنّي طفل، وهو يرى في الزواج فرصة للحصول على جنسية البلد الذي يعيشان فيه. اتفاق يبدو عقلانياً وواضحاً على الورق. لكن العلاقات، كما نعرف، نادراً ما تلتزم بالشروط التي وُضعت لها في البداية. بعد عودتهما من حفل زفاف، يبدأ بينهما نقاش يفتح أبواباً كثيرة كانت مؤجّلة. ومن اللحظة الراهنة، تعود المسرحية إلى الوراء: إلى أول "match"، وإلى العلاقات السابقة، وإلى التجارب التي حملها كل منهما معه إلى هذه العلاقة الجديدة. تدريجياً، تظهر أمام الجمهور طبقات آدم ويارا، وما ظنّ كل منهما أنه تركه في الماضي. وهنا تبدأ المسرحية بالتقاط أحد أكثر جوانب عالم المواعدة الحديث التباساً: قد يعيش شخصان العلاقة نفسها، لكن يحتفظ كل منهما برواية مختلفة تماماً عنها. لا تبحث "يلّا Unmatch" كثيراً عن المخطئ والمصيب، ولا تحاول تقديم درس في العلاقات. هي أقرب إلى تفكيك الفوضى التي باتت تحيط بها: شخص يختفي فجأة من دون تفسير، آخر يعطي جرعات صغيرة من الاهتمام ليُبقي الطرف الثاني معلّقاً، وشخصان قد يقضيان أشهراً معاً من دون أن يعرفا إذا كان ما بينهما علاقة فعلاً. هكذا تتحول الـ"ghosting" والـ"breadcrumbing" والـ"love bombing" والـ"situationship" من مصطلحات منتشرة على مواقع التواصل إلى مواقف وشخصيات وقصص نشاهدها أمامنا على الخشبة. ولا تحاول المسرحية أن تشرح عالم المواعدة الحديث بقدر ما تدخل إلى فوضاه من الداخل، إلى تلك المنطقة التي لم تعد فيها العلاقات تبدأ وتنتهي دائماً بوضوح، وحيث يمكن لشخصين أن يبقيا عالقين بين الإعجاب والارتباط والانفصال من دون أن يعرفا تماماً ما الاسم الذي يطلقانه على ما بينهما. وإذا كان النص قريباً من لغة جيله، فإن ما يمنحه الحياة فعلاً هو أداء بطليه. جنى أبي غصن تمنح يارا حضوراً قوياً وطبيعياً في الوقت نفسه، وتنتقل من الكوميديا إلى اللحظات الأكثر هشاشة من دون افتعال. تشعر أحياناً أنك لا تشاهد شخصية مسرحية بقدر ما تصغي إلى صديقة تسرد لك، بعد منتصف الليل، قصة علاقة لم تفهم بعد كيف وصلت إلى هنا. أما عامر فياض، فيأخذ مساحة واسعة للعب المسرحي. لا يكتفي بشخصية آدم، بل يتنقل بخفة بين شخصيات ومراحل مختلفة، فيصبح في لحظة أباً، وفي أخرى أماً أو طفلاً، مغيراً صوته وحركته وإيقاعه بطريقة أضحكت الصالة أكثر من مرة من دون أن تتحول الشخصيات إلى كاريكاتور ثقيل. وفي عرض يستند أساساً إلى شخصيتين، ينجح الاثنان في الحفاظ على إيقاع حيّ، مع كيمياء واضحة وعفوية تجعل بعض الحوارات تبدو وكأنها تولد في اللحظة نفسها، لا كأنها محفوظة مسبقاً. حتى الجمهور لا يبقى تماماً خارج اللعبة. ومن دون إفساد واحدة من مفاجآت العمل، تلعب “يلّا Unmatch” أيضاً على الحدود بين الخشبة والصالة، قبل أن يتبيّن أن إحدى الشخصيات كانت أقرب إلى الجمهور مما كنا نعتقد. لحظة تضيف إلى الطابع التفاعلي للمسرحية وتذكّر بأن قصص آدم ويارا ليست بعيدة كثيراً عن القصص التي قد يحملها الجالسون في المقاعد. بعد العرض، تحدثتُ إلى ريسا البرجي عن مصدر هذا العالم الذي يبدو مألوفاً إلى هذا الحد. وأوضحت أن الفكرة وُلدت من مراقبة ما يجري حولها، ومن القصص والتجارب التي تسمعها وتراها لدى أشخاص يعيشون تحولات العلاقات اليوم. من عالم يلّا Unmatch، المسرحية التي كتبتها وأخرجتها ريّسا البرجي، وأنتجت