لم تعد معركة الأمن السيبراني تدور فقط حول اختراق جهاز أو سرقة كلمة مرور أو السيطرة على محفظة للعملات المشفرة؛ فهناك تطور أكثر تعقيداً يضع الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والبرمجيات الخبيثة في مثلث واحد، ويمنح المهاجمين وسيلة جديدة للحفاظ على قنوات الاتصال مع الأجهزة المصابة حتى بعد إغلاق الخوادم التقليدية. ولتوضيح الصورة، يقول الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت": لم تعد التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي تمثل فرصة فقط لتطوير الأعمال والخدمات الرقمية، وإنما أصبحت أيضاً عاملاً مؤثراً في تطور الجريمة السيبرانية، خصوصاً عندما تتقاطع قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي مع البلوك تشين والعملات المشفرة، وأرى، من واقع عملي في الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، أننا أمام تغير نوعي في طبيعة الهجوم السيبراني؛ فالمهاجم لم يعد يبحث فقط عن خادم مركزي يضع عليه برمجياته الخبيثة أو أوامر التحكم في الأجهزة المصابة، وإنما أصبح بإمكانه الاستفادة من طبيعة البلوك تشين اللامركزية والدائمة لإنشاء قناة اتصال أكثر مقاومة للحجب والإزالة. "نقاط الإسقاط الميتة على البلوك تشين" ويتابع: "هنا تظهر تقنية تعرف باسم Blockchain Dead Drops، أو "نقاط الإسقاط الميتة على البلوك تشين"، وهي تقوم بصورة عامة على تخزين بيانات أو مؤشرات تستخدمها البرمجيات الخبيثة للحصول على تعليمات لاحقة داخل معاملات أو عقود ذكية على شبكة البلوك تشين، وتكمن الخطورة في أن المعلومة المسجلة على شبكة عامة لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع خادم مركزي؛ فإغلاق نطاق أو مصادرة خادم قد يوقف جزءاً من البنية التحتية للهجوم، بينما البيانات المسجلة على سلسلة الكتل يمكن أن تظل متاحة للمهاجم وبرمجياته وفق تصميم الشبكة وآلية الاستخدام". ويشير الدكتور محسن رمضان، إلى أنه وبحسب بحث حديث نشرته شركة Chainalysis في 17 سبتمبر (أيلول) 2026، ارتفعت عمليات كتابة تعليمات مرتبطة بالبرمجيات الخبيثة على البلوك تشين من متوسط يقارب 2.06 عملية يومياً إلى نحو 11.1 عملية يومياً، بزيادة قدرها 440% خلال أقل من عام. وتشير الشركة إلى أن النشاط أصبحت تقوده بدرجة كبيرة جهات مرتبطة بدول، مع ظهور نشاط مرتبط بجهات من كوريا الشمالية وإيران، والمشكلة الحقيقية ليست في البلوك تشين وحده، ولا في الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في دمج الأداتين داخل دورة الجريمة الإلكترونية. ويضيف قائلاً: "نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر يمكن أن تخفض الحاجز التقني أمام بعض المهاجمين، وتساعد في كتابة البرمجيات وتحليل الأكواد واكتشاف نقاط الضعف وتعديل الأدوات بسرعة أكبر. والأخطر أن بعض النماذج التي يمكن تشغيلها بصورة مستقلة لا تخضع بالضرورة لنفس الضوابط الموجودة في الخدمات التجارية المغلقة، وهذا يعني أن المجرم الإلكتروني يستطيع امتلاك قدر أكبر من التحكم في بيئة الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها، وهو ما يزيد أهمية وجود طبقات دفاعية مستقلة لا تعتمد فقط على قدرة مزود النموذج على منع إساءة الاستخدام". تعبيرية عن الأمن السيبراني - آيستوك الجريمة المشفرة تتغير.. والأرقام تكشف حجم التحدي ويؤكد الدكتور رمضان: "من المهم علمياً ألا نقع في فخ تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية هذه الهجمات؛ فتقنيات إخفاء أو تمرير معلومات التحكم عبر البلوك تشين ليست جديدة تماماً، وإنما الجديد هو تطور الأدوات وسرعة استخدامها واتساع نطاقها". ويتابع: "وهنا تظهر نقطة مهمة جداً.. زيادة عدد الهجمات لا تعني بالضرورة أن كل هجوم أصبح أكثر خسارة ماليًا، كما أن انخفاض إجمالي الأموال المسروقة لا يعني أن البيئة أصبحت أكثر أمنًا، فبيانات TRM تشير إلى أن نسبة كبيرة من الخسائر تركزت في عدد محدود من الهجمات الكبيرة، بينما شكلت ثغرات العقود الذكية الجزء الأكبر من عدد الحوادث. وهذا يؤكد أن مشهد التهديد أصبح أكثر تنوعًا، وأن المؤسسات مطالبة بالتعامل مع أكثر من طبقة من المخاطر في الوقت نفسه". ويشير اللواء خالد الشاذلي، إلى أن "المفارقة تكمن في أن البلوك تشين قد يكون جزءاً من المشكلة.. وجزءاً من الحل. وهناك مفارقة شديدة الأهمية هنا، ففي الوقت الذي يستطيع فيه المهاجم استخدام البلوك تشين لإنشاء بنية أكثر مقاومة للإزالة، فإن شفافية البلوك تشين نفسها يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة للمحققين، فالمعاملات المسجلة على السلسلة تترك أثراً رقمياً يمكن تحليله وربطه ببعضه البعض، ومن خلال أدوات تحليل البلوك تشين يمكن للباحثين تتبع المحافظ والعناوين وحركة الأموال والأنماط المرتبطة بالحملات الإجرامية". رسالة مهمة للمستخدمين والمؤسسات ويضيف قائلاً: "بمعنى آخر.. البلوك تشين قد يمنح المها