خرج اجتماع باريس من كونه مجرد محطة تحضيرية لمؤتمر دعم الجيش اللبناني، الى مشهد أوسع أعطى انطباعاً بأن البحث لم يعد محصوراً في كيفية تحسين واقع المؤسسة العسكرية، بل بات يتصل بمستقبل الدولة اللبنانية، وسيادتها، وأمنها، ودورها في الجنوب، وبالمرحلة التي ستلي انتهاء مهمة اليونيفيل. وفي قلب هذا المشهد وقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، كرئيس دولة يحاول إعادة تجميع عناصر القوة السياسية والدبلوماسية حول لبنان، وفتح قنوات متوازية مع العواصم العربية والأوروبية والغربية، بما يتيح للبنان أن يدخل المرحلة المقبلة بشبكة أوسع من العلاقات والضمانات والدعم. من هنا فإن اجتماع عون بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، قبيل الاجتماع التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، حمل في شكله ومضمونه رسالة تتجاوز الدعم العسكري المباشر. ففرنسا، بما تمثله أوروبياً، والأردن بما يمثله عربياً، ظهرا إلى جانب لبنان في مقاربة تقوم على تعزيز الدولة ومؤسساتها، ودعم الجيش، والحؤول دون حصول فراغ أمني في الجنوب، في وقت يقترب فيه موعد انتهاء مهمة اليونيفيل. الأهم أن عون نجح في وضع مسألة دعم الجيش في إطار سياسي أشمل لجهة دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتعزيز قدرتها على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتأمين الظروف التي تسمح لها بممارسة سيادتها. وهذا ما ظهر في الموقف الفرنسي الذي وصف الجيش اللبناني بأنه عنصر أساسي في تثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وفي النقاشات التي تناولت مستقبله وقدراته وانتشاره في الجنوب. وهنا تكمن النقطة الأهم في مقاربة عون. فالرئيس لا يتعامل مع الجيش باعتباره مؤسسة تحتاج إلى مساعدات مالية وتسليحية فحسب، بل باعتباره أحد أعمدة المرحلة المقبلة في لبنان. ولذلك فإن كل ما يجري من اتصالات عربية وأوروبية ودولية يصب في اتجاه واحد: إعطاء المؤسسة العسكرية القدرة على القيام بدورها، ومنع الفراغ، وتثبيت حضور الدولة، وتهيئة الأرضية السياسية والأمنية لمرحلة جديدة في الجنوب، والتأكيد في نهاية المطاف أن لبنان ليس مستفردا، وأنه ليس وحده. وإذا كانت الولايات المتحدة تربط مساعداتها وشروط دعمها بمسار حصرية السلاح بيد الدولة، فإن باريس أظهرت في المقابل مقاربة أوسع تربط دعم الجيش بتعزيز الدولة والسيادة والاستقرار. أما الحضور العربي، ولا سيما الأردني، فيضيف إلى هذه المعادلة بعداً آخر، مفاده أن لبنان ليس ملفاً أوروبياً أو أميركياً فقط، بل قضية عربية أيضاً، وأن استقراره جزء من استقرار المنطقة. ومن هنا أيضاً يمكن فهم أهمية الانفتاح الذي اعتمده عون منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية. فقد اختار أن يفتح الأبواب اللبنانية على مختلف العواصم، وأن يحافظ على خطوط اتصال مع الدول العربية والأوروبية والغربية، وأن يقدم صورة لبنان كدولة تريد استعادة قرارها ومؤسساتها وقدرتها على حماية حدودها وشعبها.