كشف لقاء داخل الكرملين حجم المأزق الذي تواجهه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في محاولتها إنهاء الحرب في أوكرانيا، بعدما اصطدمت ثقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقدرته على حسم معركة دونباس بتشكيك مباشر من جاريد كوشنر، في وقت تتحرك فيه واشنطن على مسارين متناقضين: عقوبات قاسية على موسكو، وإغراءات اقتصادية قد تبدأ حتى قبل وقف إطلاق النار. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استند إلى معلومات أوردها الصحافي أنطون ترويانوفسكي في "نيويورك تايمز"، فإن مبعوثي ترامب جلسوا هذا الشهر مع بوتين في الكرملين، حيث أظهر الرئيس الروسي ثقة كبيرة بقدرة قواته على تحقيق تقدم عسكري حاسم. وقال بوتين، بحسب التقرير، إن القوات الروسية ستتمكن خلال أشهر قليلة من السيطرة أخيرًا على كامل منطقة دونباس الأوكرانية، مضيفًا أن موسكو مستعدة لمواصلة استهداف شبكة الكهرباء الأوكرانية، بما يضمن، وفق تقديره، شتاءً قاسيًا بصورة خاصة على الأوكرانيين. وتؤكد تقارير نقلت عن "نيويورك تايمز" أن هذا الطرح ورد خلال لقاء بوتين مع المبعوثين الأميركيين في موسكو. لكن كوشنر لم يترك كلام بوتين يمر من دون رد، فقال له: "مع كامل الاحترام، هذا بالضبط ما قلته لنا قبل عام". ويعكس هذا السجال، وفق مسؤول أميركي مطلع على التفاصيل تحدث إلى "نيويورك تايمز"، المأزق الذي تواجهه جهود ترامب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف العام لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وفي موازاة ذلك، أقر الكونغرس الأميركي الأسبوع الماضي قانون عقوبات تاريخيًا يستهدف قطاع الطاقة الروسي، في محاولة جديدة لرفع كلفة الحرب على موسكو ودفع بوتين إلى تقديم تنازلات. ويتيح القانون للرئيس الأميركي فرض رسوم تصل إلى 100% على الدول الكبرى التي تواصل شراء النفط أو الغاز الروسي، وقد أُحيل إلى ترامب بعدما أقره مجلس النواب بأغلبية 262 صوتًا مقابل 159، إثر موافقة مجلس الشيوخ عليه سابقًا. لكن في الوقت الذي يشق فيه قانون العقوبات طريقه إلى مكتب ترامب، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تراهن بالتوازي على مقاربة مختلفة كليًا، تقوم على تقديم حوافز إلى روسيا على أمل دفع بوتين إلى التفكير جديًا في إنهاء الحرب. ومن بين الخيارات الجديدة المطروحة، يدرس البيت الأبيض إمكان توقيع صفقات تجارية مع روسيا حتى قبل أن توقف موسكو عملياتها العسكرية في أوكرانيا. وقال مسؤول أميركي، وفق تقرير ترويانوفسكي في "نيويورك تايمز"، إن السماح بمثل هذه الصفقات يهدف إلى إثبات أن الولايات المتحدة جادة في نيتها فتح صفحة جديدة في العلاقات مع موسكو. ويمثل هذا الطرح تحولًا واضحًا عن موقف ترامب في العام الماضي، حين أكد أن عودة الأعمال التجارية مع روسيا ستنتظر إلى حين التوصل إلى تسوية للحرب. وتتناقض هذه المقاربة بصورة مباشرة مع موقف مسؤولين جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس، وكذلك مع موقف حلفاء كييف في أوروبا، الذين يرون أن زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية على بوتين هي الوسيلة الوحيدة القادرة على دفعه إلى تقديم تنازلات. ورغم أن ترامب أشار إلى أنه سيوقع قانون العقوبات، الذي يمنحه صلاحية فرض رسوم تصل إلى 100% على دول تشتري النفط أو الغاز الروسي، فإن إدارته تبدو في الوقت نفسه أكثر تركيزًا على استخدام "الجزرة" بدلًا من "العصا". وفي المقابل، يعمل الكرملين منذ عودة ترامب إلى الرئاسة على عرض فرص اقتصادية وتجارية أمام البيت الأبيض. وبحسب التقرير، روّج مسؤولون روس لصفقات مرتبطة بالمعادن النادرة والألومنيوم، إضافة إلى مشاريع روسية - أميركية مشتركة في منطقة القطب الشمالي. كما طرحت موسكو إمكان إشراك شركات أميركية في عمليات بيع الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا، ضمن حزمة فرص اقتصادية تُعرض على واشنطن بالتوازي مع المسار السياسي. وتأتي هذه التحركات فيما بقيت المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات ونصف السنة والتي أودت بحياة مئات الآلاف، مجمدة إلى حد كبير في وقت سابق من هذا العام، بعدما ركز المبعوثون الأميركيون جهودهم على الحرب مع إيران. أما الزيارة الحالية إلى موسكو وكييف، فتهدف إلى إعادة إحياء المحادثات المتوقفة. ويقدّر مسؤولون أوكرانيون أن مفاوضات ثلاثية قد تُستأنف الشهر المقبل، فيما يُطرح أيضًا احتمال التوصل إلى وقف إطلاق نار محدود. وبين بوتين الذي يؤكد أنه قادر على حسم دونباس خلال أشهر، وكوشنر الذي يذكّره بأن الوعد نفسه سمعته واشنطن قبل عام، يجد ترامب نفسه أمام معادلة دقيقة: قانون عقوبات يرفع سقف الضغط على موسكو، وإدارة تختبر في الوقت نفسه ما إذا كانت الصفقات الاقتصادية قادرة على تحقيق ما لم تحققه الضغوط حتى الآن.