كشفت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن نظام بشار الأسد السابق أعد عملية محكمة لاختطاف الصحافي الأميركي أوستن تايس، واستغرق التخطيط لها نحو شهر، مشيرة إلى أن العملية تمت بموافقة شخصية من الأسد. وأشارت "بي بي سي" إلى أن تايس شوهد للمرة الأخيرة وهو يستقل سيارة يقودها شخص كان يعرفه ويثق به، ما دفع كثيرين، ولسنوات، إلى الاعتقاد بأنهما مرا بنقطة تفتيش حكومية بالصدفة، وأن اختطاف الصحافي جاء باعتباره فرصة سنحت أمام القوات الحكومية. لكن الهيئة أكدت أن اختفاء تايس لم يكن حادثا عابراً بل نتيجة عملية مخطط لها مسبقاً. وتابعت "بي بي سي" أن بودكاستها الجديد "أين أوستن تايس؟"، الذي يأتي ضمن الموسم الثالث من برنامج "أنا لست وحشاً"، يكشف نتائج تحقيق استمر سنوات بشأن ما حدث للصحافي، الذي كان يعمل على تغطية الحرب السورية بشكل مستقل. وحظيت قضية تايس بمتابعة واسعة من وسائل الإعلام الدولية، كما استشهد بها رؤساء أميركيون متعاقبون. وكان آخر ظهور علني لتايس، وهو طالب حقوق في "جامعة جورجتاون" وصل إلى رتبة نقيب في مشاة البحرية الأميركية، في مقطع فيديو ظهر فيه معصوب العينين ويبدو عليه الضيق، ونشر بعد أكثر من شهر على اعتقاله. وبعد سقوط النظام السوري أواخر العام 2024، خرج عشرات الآلاف من المعتقلين من سجون النظام السابق، لكن تايس لم يكن من بينهم. وقالت "بي بي سي" أنها حصلت من مصدر استخباراتي على إحداثيات لعدة مواقع اشتبهت السلطات الأميركية في احتجاز تايس داخلها، وأن تلك الإحداثيات جرى تتبعها لأكثر من شهر، من دون الوصول إلى نتيجة. كما نقلت الهيئة عن مسؤول سوري سابق قوله أن تايس أعدم، في حين شكك آخرون في الرواية، لأنه لم يتم العثور على رفات الصحافي. وفي أعقاب انهيار النظام، كشفت "بي بي سي" عن ملفات استخباراتية سورية سرية تتعلق بتايس، تضم مئات السجلات الداخلية، وتقدم "أول دليل قاطع على أن النظام هو الذي احتجز الصحافي". ورغم ذلك، ظل سؤالان أساسيان بلا إجابة: كيف ألقي القبض على تايس في البداية؟ ومن المسؤول عن عملية اختطافه؟ وتحدث فريق "بي بي سي" مع عدد من رجال النظام الذين شاركوا في اعتقال تايس، كما اطلع على تسجيلات لمحادثات دارت بشأن القضية. ومن بين هؤلاء رجل يعرف باسم أبو علي، وهو عضو سابق في ميليشيا "قوات الدفاع الوطني"، قال أن عملية اختطاف تايس بدأت بعدما أبلغ سائقه، الذي تشير مصادر متعددة إلى أنه كان يزود النظام بالمعلومات منذ فترة، أحد كبار أعضاء "قوات الدفاع الوطني" بأن الصحافي كان يتنقل بين مناطق تسيطر عليها المعارضة ويغطي الأحداث فيها. وأشارت "بي بي سي" إلى أن تايس اضطر إلى دخول مناطق اعتبرها معظم الصحافيين شديدة الخطورة، بينما كانت تقاريره تنشر في "واشنطن بوست" من بين وسائل إعلام أخرى. وفي الوقت نفسه، كان نظام الأسد يشن حملة قمع ضد كل من يكشف انتهاكاته لحقوق الإنسان. وكشف فريق الهيئة أن عضو "قوات الدفاع الوطني" الذي تحدث إليه سائق تايس كان صقر رستم، الذي لم يكن مجرد عنصر في الميليشيا، بل ابن شقيق بسام الحسن، أحد أكثر الشخصيات الأمنية ثقة لدى الأسد، ورئيس "قوات الدفاع الوطني". وبحسب أبو علي، نقلت المعلومات المتعلقة بتايس إلى الحسن، الذي قيل أنه أجرى اتصالاً هاتفياً بالأسد. وزعم أبو علي أن الأسد رد قائلاً: "أحضروه إلينا". وتابع أبو علي أنه استدعي بعد ذلك إلى مكتب الحسن، حيث أبلغ بأن الرئيس وافق على العملية. لكن عملية احتجاز تايس لم تنفذ على الفور، بل تم اقتراح أن يواصل السائق و"قوات الدفاع الوطني" مراقبة الصحافي لمعرفة المزيد عن تحركاته وما كان يقوم به. وتذكر أبو علي أن السائق قال: "إنه يثق بي"، قبل أن يبلغ لاحقاً بأن تصرفات تايس تبدو مريبة. وتابعت "بي بي سي" أن تايس، بصفته جندياً تلقى تدريبه في مشاة البحرية الأميركية، كان يشارك أحياناً خبرته العسكرية مع مقاتلي المعارضة، بحسب عدد من الأشخاص الذين تحدث إليهم فريق التحقيق، وكان يصحح لهم كيفية استخدام أسلحتهم. وبالنسبة إلى الرجال الذين كانوا يراقبونه، جعل هذا التصرف تايس يبدو أقل شبهاً بصحافي وأكثر شبهاً بأحد عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه". وقالت "بي بي سي" أنها لم تجد أي دليل على صحة هذا الادعاء، كما نفى مسؤول أميركي رفيع سابق، كان مسؤولاً عن جزء من قضية تايس، أن يكون الصحافي عميلاً للاستخبارات. وفي الأيام التي سبقت اختفاء تايس، أقدم سائقه على خطوة جريئة أثناء إجراء الصحافي مقابلات مع مقاتلي المعارضة، حيث أخذ سراً حقيبة ظهره التي كانت تضم جهاز "ماك بوك" وجهاز إرسال عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب أغراض شخصية أخرى، لكي يقوم عملاء النظام بتفتيشها، بحسب عدة مصادر. وفي 11 آب/أغسطس 2012، احتفل تايس بعيد ميلاده الحادي والثلاثين داخل منزل آمن تابع للمعارضة على الحافة الغربية ل