شكل الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش والقوى الامنية اللبنانية في باريس في مضمونه محاولة لإعادة تعريف المرحلة الأمنية المقبلة في الجنوب، فالمعادلة التي خرج بها الاجتماع تتجاوز مسألة تزويد المؤسسة العسكرية بالمعدات والتمويل، لتربط قدرتها على الانتشار والقيام بمهامها بمسار أوسع عنوانه استعادة الدولة لدورها الأمني، وتعزيز سيادتها، والتحضير لمرحلة ما بعد «اليونيفيل». وفي هذا السياق، وضع قصر الإليزيه دعم الجيش في إطار صريح يتصل بتمكين الدولة من ممارسة احتكار السلاح وتأمين السيطرة على أراضيها، وهذا يعني أن المساعدات المنتظرة لن تُقرأ باعتبارها دعماً تقنياً لمؤسسة عسكرية فحسب، بل كجزء من ترتيبات سياسية وأمنية يجري العمل على بلورتها للمرحلة المقبلة. لكن أهمية الاجتماع لا تعني أن نتائجه ترقى إلى مستوى التسوية أو التحول الميداني، فما تحقق في باريس هو تثبيت لمسار وتحديد للأولويات، أكثر منه إطلاق لآلية تنفيذية مكتملة، ولم يُعلن عن حزمة مالية نهائية أو موعد حاسم لمؤتمر المانحين، فيما بقيت الملفات الأكثر حساسية، من الانسحاب الإسرائيلي إلى مستقبل الوضع الأمني في الجنوب وحصر السلاح، مرتبطة بمسارات تفاوضية وسياسية لم تُحسم بعد. وأبرز ما يميز اجتماع باريس أنه نقل النقاش من سؤال قدرة الجيش على القيام بمهامه إلى سؤال الدور الذي يفترض أن يؤديه في الترتيبات المقبلة، فالمؤسسة العسكرية باتت أمام مجموعة متداخلة من الاستحقاقات، تشمل تعزيز الانتشار جنوباً، وحماية الحدود، ومكافحة التهريب والجريمة، وتولي مسؤوليات إضافية في وقت تتجه فيه البيئة الأمنية المحيطة بلبنان إلى مزيد من التعقيد. ومن هنا جاءت المشاركة العسكرية الواسعة في الاجتماع، بما فيها القيادات العسكرية اللبنانية والأوروبية والعربية وممثلون أميركيون، لتعطي انطباعاً بأن البحث لم يكن سياسياً فقط، بل انصرف أيضاً إلى الاحتياجات العملية للجيش وآليات تعزيز قدراته على كل المستويات. وتكمن إحدى النتائج السياسية الأهم لاجتماع باريس في عدم تعامل المجتمعين مع انتهاء اليونيفيل كحدث إداري مرتبط بانتهاء ولاية أممية، بل كاستحقاق أمني يحتاج إلى ترتيبات مسبقة، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شدد على أن القوات الدولية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الجيش ، وأن أي صيغة لاحقة يفترض أن تكون مساندة للمؤسسة العسكرية اللبنانية وبذلك، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد اليونيفيل لا يزال في مستوى الخيارات قيد البحث، أكثر منه خطة جاهزة للتنفيذ. وعليه، سيُقاس نجاح اجتماع باريس خلال الأشهر المقبلة بثلاثة مؤشرات أساسية: الأول، مدى تحول لائحة الأولويات العسكرية إلى تمويل وتجهيزات فعلية، إذ يبقى الفارق كبيراً بين تحديد حاجات الجيش وبين تأمينها. الثاني، مدى نجاح فرنسا وشركائها الأوروبيين في صياغة بديل عملي أو صيغة انتقالية لما بعد «اليونيفيل». وهذا يتطلب توافقاً دولياً يتجاوز باريس، ولا سيما مع الولايات المتحدة ومجلس الأمن والأطراف المعنية مباشرة بالجنوب. الثالث، مدى تقدم المسار السياسي بالتوازي مع المسار العسكري، لأن زيادة قدرات الجيش وحدها لا تكفي لإنهاء حالة التوتر في الجنوب إذا بقيت مسألة الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية وحصر السلاح عالقة. وبالتالي، فإن باريس لم تحسم شكل المرحلة المقبلة، لكنها ساهمت في رسم إطارها أما تحويل هذا الإطار إلى واقع، فيحتاج إلى أكثر من مؤتمر، كما أنه يحتاج إلى تمويل، وتفاهمات سياسية، وترتيب دولي للجنوب، ومسار تفاوضي قادر على معالجة العقد التي تحول حتى الآن دون تثبيت الاستقرار، ولهذا ستكون نهاية العام محطة أكثر أهمية من اجتماع باريس نفسه، عندها يفترض أن تتضح حصيلة الدعم، وما إذا كانت لائحة الأولويات قد تحولت إلى التزامات فعلية، وما إذا كانت الدول المعنية قد اقتربت من تصور مشترك للمرحلة التالية في الجنوب.